Featured Post

Inconvenient History: tales of lesser discussed history of Egypt & Israel

As Egypt's relationship with Israel takes central stage for both countries, a look at some interesting little known historical facts ...

Tuesday, May 16, 2017

الستارت اب

مواصفاته وطريقته ومتى يكون أو لايكون

انتشرت فكرة إنشاء الشركات الجديدة في مصر والشرق الأوسط في السنوات الأخيرة. سمعنا وقرأنا عن قصص شركات عملاقة مثل أبل ومايكروسوفت وأوبر وغيرهم بدأت بأحلام شبابية كبيرة وموارد محدودة. سأقدم صورة أوضح لفكرة الشركات حديثة النشأة أو الستارت اب في هذا المقال  وصورة عامة للمناخ.

أطلقنا بالماضي كلمة مشروع على ما نسميه اليوم ستارت اب. مجموعة من الأصدقاء أو زملاء الجامعة يفكرون في مشروع ما، قد يكون مشروع تجاري او زراعي او انشائي او سياحي او صناعي. المشروع قد يكون كما فعل أحد أقاربي من سنوات طويلة انتاج دواجن في بلكونة شقة العائلة في الإسكندرية أو كما فعل أحد أصدقائي بإنشاء فندق صغير بخدمات متكاملة في نويبع بسيناء. لماذا لا نسمي مشاريع مثل مكتب ترجمة أو عربة طعام أو دواجن قريبي او فندق صديقي ستارت اب؟ ما هو الفرق بين المشروع والستارت اب؟

دعنا نبدأ بأن الستارت اب هو مشروع يهدف إلى الربح مثل المشاريع اعلاه ولكن هنالك عدة مواصفات إضافية تجعل المشروع ينتمي إلى ما نطلق عليه ستارت اب:

الابتكار
يقوم أي مشروع على فكرة أساسية تكون هي قلب او روح المشروع.  من مواصفات الستارت اب ان تحمل هذه الفكرة الاساسية قدر من الابتكار. الابتكار قد يكون في المنتج نفسه أو في طريقة إنتاجه أو في طريقة تقديمه. الفكرة قد تكون منقولة من الولايات المتحدة أو اليابان ولكنها جديدة في السوق المحلي. نجد أنه من الصعب أن نسمي دواجن قريبي في الإسكندرية ستارت اب. ننظر إلى كريم من دبي كستارت اب ينقل فكرة أوبر إلى الشرق الأوسط ويضيف اليها بعض التغيرات مثل الحجز المقدم.

النمو السريع
تعد قابلية المشروع لتحقيق نمو سريع إحدى مواصفات الستارت اب. بعض المشاريع الممتازة غير قابلة لتحقيق نمو سريع وتتطلب وقت طويل للنمو. وربما نجد هنا فكرة الدواجن في البلكونة بالإسكندرية قابلة لتحقيق النمو السريع أكثر من فكرة البوتيك هوتيل الذي يتطلب وقت لبناء سمعة مع نوع محدد من الزبائن. ننظر ايضا الى أفكار مثل "فوري" او "اطلب" او "المنيوز" وقابلية هذه الأفكار للنمو السريع لوجود عطش للمستهلكين وحاجة إلى المنتج أو الخدمة المقدمة.

قابلية التوسع
ربما تكون قابلية التوسع هي اهم مواصفات الستارت اب. قابلية التوسع تشمل الفكرة والسوق وايضاً تشمل قدرة الإدارة أو مؤسسي المشروع على التوسع. ننظر أيضا إلى إمكانية ومتطلبات التوسع. نجد هنا أن فكرة مثل تربية الدواجن في البلكونة، رغم نجاحها كمشروع، لا ينطبق عليها مواصفات الستارت اب. ولكن إذا كان قريبي ابتكر جهاز او طريقة لتربية الدواجن بالبلكونات وأسس شركة لإنتاج وتوزيع الجهاز كان مشروعه عندئذ قابل للتوسع بامكانيات معقولة ولكن التوسع في مشروعه كما كان يتطلب تكرار الاستثمار والإدارة. وكذلك الفندق في نويبع، إذا نجح صديقي في الوصول في الوصول إلى نسبة حجوزات كاملة لا مجال للتوسع إلا ببناء فندق جديد في مكان آخر.

أفكار مثل اوبر جذابة في عالم الستارت اب لانها تقبل النقل من سوق إلى آخر. بلا جدال لكل سوق متطلباته الخاصة وتحتاج أوبر تأسيس شركات جديدة في البلاد المختلفة والتواصل مع الحكومات والتعامل مع ردود الفعل السلبية من سيارات الأجرة ولكن الاستثمار الأساسي في التكنولوجيا وتطبيقات الاندرويد والايفون وأسلوب الإدارة وخدمة العملاء كله موجود وهنا نجد أن أوبر مثال ممتاز لقابلية التوسع. ولذا نجد العديد من الأفكار لخدمات مختلفة من تأجير الغرف في البيوت الخاصة لمنافسة الفنادق إلى خدمات النظافة تنقل فكرة أوبر.

دور التكنولوجيا في الستارت اب
يخلط الكثير من الناس في هذه النقطة. التكنولوجيا في الغالبية العظمى من الستارت اب هي وسيلة وليست غاية.  كثير من شركات الستارت اب تعتمد على تكنولوجيا متقدمة لأن الابتكار كثيرا ما يكون في استخدام تكنولوجيا حديثة لتقديم حلول مبتكرة لاحتياجات او مشاكل تقليدية. من الصعب أن نجد أمثلة لشركات ستارت اب ناجحة تقدم ابتكار ونمو سريع وقابلة للتوسع بدون الاعتماد على تكنولوجيا متطورة. صعب ولكنه ليس مستحيل!

المؤسسين والتمويل والإدارة
يتطلب الستارت اب مجهود خارق للنجاح وإذا وضعنا بالاعتبار المتطلبات أعلاه نجد أنه من الصعب أن ينجح ستارت اب بمؤسس واحد ولذا نجد خلف الغالبية العظمي من الستارت اب الناجحة يقف أكثر من مؤسس واحد.

تمويل الستارت اب يبدأ من أصحاب الحلم أنفسهم وأحيانا بقروض أو مساهمة من الاقارب او الاصدقاء وبعدها يصل إلى مرحلة الانچيلز أو الملائكة والملاك هو المستثمر الصغير الذي يقتنع بالفكرة والمؤسسين وبعدها نصل إلى تمويل أكبر من شركات أو صناديق الاستثمار المتخصصة في الستارت اب او ما يطلق عليهم الڤي سي.

تخضع إدارة الستارت اب للعديد من القواعد التي تحدد مسؤوليات وحقوق الأطراف المختلفة. ماذا يحدث إذا ترك أحد المؤسسين الشركة؟ هل يحتفظ بحصته كاملة ام يخسرها كاملة ام يحتفظ بقدر يتناسب مع فترة عمله بالشركة؟ هل يحق للمؤسسين تغيير نشاط الشركة بعد الحصول على تمويل من مستثمرين؟ ماذا يحدث اذا احتاجت الشركة تمويل إضافي؟ هل يستطيع مؤسسي الشركة الخروج منها وإنشاء شركة جديدة منافسة؟

نجد أمامنا في عالم الستارت اب قواعد عديدة تحكم العلاقات بين الأطراف. هذه القواعد يتفق عليها الأطراف المختلفة وتشكل أعباء إدارية إضافية قد لا تواجه العديد من المشروعات خارج عالم الستارت اب.

صورة المستقبل
تحصل شركات الستارت اب على تمويل المستثمرين عن طريق إقناعهم أن الستارت اب سيحقق نجاح كبير ويصل إلى مرحلة الايكزيت او الخروج. المقصود بالايكزيت هو تحصيل قيمة عالية للمؤسسين والمستثمرين عن طريق الدمج مع شركات كبيرة أو طرح الأسهم في البورصة أو سوق المال.

تحقيق الأرباح كهدف شي معتاد لأي مشروع تجاري. رفع التقييم والاعداد للاكيزيت او بيع الشركة هدف إضافي يزيد من تعقيدات وأعباء الستارت اب.

الايكو سيستم أو المناخ العام
يشكل نجاح شركات الستارت اب وزيادة عددها نجاح لأي مجتمع. تلعب الشركات الصغيرة والمتوسطة دور غاية في الأهمية في اقتصاد الدول . لهذه الأسباب تقوم الدول المختلفة بالعمل لخلق المناخ المناسب. تخصص الهند مبالغ ضخمة لتنمية قطاع الستارت اب وإزالة العقبات أمامه. في الاْردن والامارات والسعودية تم إنشاء صناديق استثمار حكومية أو شبه حكومية للاستثمار في شركات الستارت اب. في مصر تتحدث الحكومة على إزالة العقبات وتسهيل إنشاء وتمويل الشركات وعن تسهيل إغلاق الشركات وإفلاسها إذا فشلت بدون عقوبة السجن للمؤسس.

حياة الستارت اب
حياة الستارت اب جذابة ولكنه في الحقيقة اختيار شديد الصعوبة ويعني إرهاق وقلق وانعزال عن الأصدقاء والأقارب. الستارت اب يعني ترك الهوايات والرياضة والأفلام والقهوة. الستارت اب يعني سهر الليالي والعمل الشاق بدون اجازة و ويك اند. الستارت اب يعني الدخل المحدود لسنوات طويلة. مناخ الستارت اب هو مناخ التضحية بحقبة من الحياة لتحقيق حلم معين.

يقدم الستارت اب طريقة حياة مختلفة ونرى بعض المشاريع التي لا تتطابق المواصفات اعلاه يتبنى مؤسسيها طرق الستارت اب ويحاولون ارتداء ثوبه لأنهم يحبون طريقته وانطباع المجتمع عنها أو لأنهم يريدون الحصول على تمويل أو لأنهم يريدون توظيف ناس بطرق الستارت اب التي تشمل تضحية بالمرتب مقابل بالمشاركة في ارتفاع قيمة الشركة. محاولات خداع النفس أو خداع الآخرين تحدث في امريكا مثل ما يحدث في الشرق الأوسط ومع الوقت وزيادة عدد مشاريع الستارت اب الجادة يقل تأثير المدعين على المناخ العام. التسامح والقبول صفة من صفات عالم الستارت اب وإدمان طبيعة حياة وطرق الستارت اب موضوع مفهوم ولا يلام عليه أصحاب المشاريع الجادة حتى إذا لم تتوافر فيها كل مواصفات الستارت اب. الشركات العظمى تحاول تبني طرق الستارت اب لتسريع اتخاذ القرارات ولجذب الموظفين الذين يفضلون طبيعة العمل في الستارت اب.  

عالم الستارت اب مليء بالمصطلحات الأمريكية وكثيرا ماوجدت نفسي المانيا او فرنسا وغيرهم واسمع كلمات مثل ايكزيت او ستارت اب او اينچيل. تتغير طرق الستارت اب مع مرور الوقت لتلائم طبيعة البلاد المختلفة. كذلك تنتشر طرق الستارت اب في المجتمع والمشاريع المختلفة من المشاريع الخاصة الصغيرة إلى المشاريع العظمي التي تحظى بدعم الشركات الكبيرة أو حتى الحكومات. الستارت اب ماهو الا مشروع له مواصفات معينة يخضع لقواعد معينة ولكنه بالآخر مشروع ربحي.  


أيمن سعيد عاشور

Sunday, January 15, 2017

صراع الطوائف في الاديان

ينظر اتباع الاسلام والمسيحية إلى تاريخ دينهم بنوع من الشوق والإعجاب.  ننظر إلى فترات بداية انتشار الدين وكأنها كانت فترات جميلة و نقية وبريئة،  كان الدين فيها واضح وخالي من الشوائب قبل الاختلاف والتشتت إلى طوائف متباينة. في الإسلام ننظر إلى حقبة الخلفاء الراشدين بإجلال وخشوع ونسمع القصص عن السلف الصالح والتطلع إلى قيام دولة تماثل حقبة الخلفاء الراشدين وكذلك في المسيحية نسمع عن الفترات قبل الاختلاف بين الكاثوليك والارتوذكس وعن التوافق الذي ساد في أوائل أيام المسيحية مع بداية عمل الْحَوَارِيُّونَ في نشر رسالة واضحة من يسوع.


يسمح مناخ الحريات في الغرب بدراسة تاريخ الأديان بصورة علمية بحتة بعيدة عن الدراسات الروحانية والقدسية ولذا نجد في العقود الأخيرة كم ضخم من الدراسات عن تاريخ المسيحية وهذه الدراسات تقدم لنا صورة مختلفة عن الصورة المعهودة. يقدم لنا بارت إيرمان أستاذ الأديان بجامعة نورث كارولينا في كتاباته صورة عن صراع ديني بدءا من أول أيام المسيحية ويقدم لنا طوائف انتهت تماما بعد تكفيرها و اضطهادها من قبل التيارات التي انتصرت وكما يقولون "التاريخ يكتبه المنتصرون".


الطائفة الأبيونية كانت بالأساس يهودية تؤمن أن يسوع هو فعلا المسيح ولكن تفهم كلمة المسيح من اللغة العبرية بمعني من مُسح وجههُ بالزيت كإشارة أو علامة لإعلانه ملك اليهود أو ملك إسرائيل. كان الأبيونيون ينظرون إلى يسوع على أنه بشر اختاره الرب لخضوعه لتعليمات التوراة ولطاعته له. التحول إلى المسيحية في نظر الأبيونية كان يتطلب عمل الطهارة واتباع قواعد الأكل اليهودي واحترام تقاليد السبت وبعد كل ذلك اتباع تعليمات يسوع المسيح. لم يُؤْمِن اتباع الأبيونية بفكرة الخلاص وكانوا يعتبرون أن يسوع بعد صلبه عاد إلى ربه.  


الطائفة المارصونية كانت عكس الأبيونية تماما، وكانت تري المسيحية دين جديد وكانت ترفض اليهودية والعهد القديم وكذلك ترفض رب اليهودية. المارصونييين كانوا يؤمنون بتعدد الآلهة وكانوا يَرَوْن رب اليهود اله غاضب ولكن رب المسيحية اله محبة ورحمة. وكان المارصونييون يؤمنون بأن يسوع لم يكن يوما بشر ولكنه منذ أول أيامه بصفته الإلهية ولذا لم يكترثون بصلب جسد يسوع. كتاب المارصونية المقدس كان بالأساس رسائل بولس الرسول وأجزاء من إنجيل لوقا واعماله.


الطائفة الغنوصية أو المسيحية المعرفية كانت ترى أن يسوع بدء كبشر وعند بداية رسالته نزل المسيح كوجود رباني إلى جسد يسوع وخرج من جسده قبل صلبه وكانوا يقدمون ما ورد بإنجيل مرقس دلالة على صحة عقيدتهم حين صرخ يسوع وهو على الصليب قبل الموت "يا إلهي لماذا تركتني". المسيحية المعرفية كانت ترفض تماما فكرة الخلاص وكانت ترى الطريق إلى الجنة هو معرفة الذات باتباع التعاليم السرية للمسيح. اعتقد أتباع المسيحية المعرفية أن اتباع تعاليم المسيح كما وردت في رسائل بولس الرسول وإناجيل مرقس ومتى ولوقا هي مرحلة أولية قبل مرحلة اتباع التعاليم السرية الخاصة بهم كما وردت في إنجيل توما وباقي تعاليمهم وكتبهم.


إيلين بيجليز أستاذة الأديان بجامعة برينستون ترى ان إنجيل توما سبق إنجيل يوحنا وان إنجيل يوحنا كتب بالأساس للهجوم على إنجيل توما ولذا وصف يوحنا توما بأنه مليء بالشكوك. ورد اسم توما في الاناجيل الاخرى ولكنه كان كواحد من الحواريين بدون أي صفة سلبية.  ترى بيجيلز ايضا ان انجيل يوحنا هو صاحب التأثير الأكبر في تكوين المسيحية على الرغم من أنه كتب بعد ما يقارب ستة عقود بعد صلب يسوع.


طبعا كل هذه الطوائف أعلاه تم تكفيرها وإعلانها هرطقية وعندما اتبعت الدولة الرومانية المسيحية كدين رسمي استخدمت قوة الدولة في محاربة هذه الطوائف وفِي حرق كتبها. الأدلة التاريخية التي استعملها المؤرخون كانت مخطوطات قديمة نجت من الحرق ومن كتابات أباطرة المسيحية الكاثوليكية لمهاجمة هذه الطوائف أعلاه.  نرى أمامنا تاريخ صراع ضخم بين أفكار متباينة بدأ منذ أوائل أيام المسيحية. انتصرت فكرة الخلاص وفكرة أن المسيح يسوع كان له طبيعة بشرية كاملة وطبيعة إلهية كاملة، وكذلك انتصرت فكرة الثالوث المقدس. هذه الأفكار تعتبر اليوم ركائز أساسية للمسيحية.


انتشار الدراسات التاريخية العلمية عن المسيحية في العقود الأخيرة لم يهدد المسيحية في الغرب وربما نرى في نجاح التيار الديني في الانتخابات في الولايات المتحدة دليل على أن الأديان قادرة على الدفاع عن نفسها فكر بفكر. الإنجيل رغم النقد الذي يتعرض له من الناحية التاريخية لا يزال أوسع كتب العالم في الانتشار. استقلال الدين عن الدولة في الغرب فتح المجال للدراسة التاريخية بدون رقابة ولا قيود. وسائل التواصل الاجتماعي في الشرق بدأت في مناقشة العديد من التابوهات ونرى أمامنا زيادة في مناقشات مواضيع مثل أصل التقويم الهجري القمري الشمسي وتحوله إلى تقويم قمري  قمري ونقرأ أيضا عن نشأة الدولة الأموية وعن أصل النزاع بين السنة والشيعة، الدور الذي قام به معاوية ومن أيده من الصحابة يتلقى مناقشات ومراجعات ولكن بحرص خوفا من عواقب غضب المؤسسات الدينية أو الدولة. في الغرب وباللغات الأجنبية نجد أبحاث في تاريخ نصوص الحديث ولكن قليل ما يتم ترجمته للعربية مثل كتاب السلطة والتسلط في الفتوى بقلم العالم الأزهري د. خالد أبو الفضل أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة يو سي ال ايه الامريكية. اجلا او عاجلا سيأتي البحث التاريخي العلمي المستقل في الأديان إلى قراء اللغة العربية وهذا أمر لا يهدد الأديان ولا يهدد المجتمع ولا يهدد الدولة. إتاحة الفرصة للحصول على الدراسات والمعلومات التاريخية العلمية يفتح الطريق لكل إنسان للسعي خلف الحقيقة والوصول إلى ايمان عن علم وليس عن طريق التغييب العقلي.

أيمن سعيد عاشور

Sunday, January 01, 2017

عقيدة الأمن في مصر

دعوة إلى المراجعة والتغيير
تختلف أساليب الأمن من مكان إلي آخر في العالم ففي الولايات المتحدة مثلا مستوى الأمن في الأبواب والأقفال أقل عما هو عليه في أوروبا ، وربما يعود ذلك لسهولة تداول السلاح في أمريكا مما والأقفال المؤمنة لن تصمد أمام لصوص محملين بالأسلحة النارية.
تختلف أيضا طرق مكافحة الحرائق وأنظمة السلامة  .. فبينما لدى البريطانيين رجال إطفاء يعمدون إلى حصر وإحاطة الحرائق من الخارج إلى الداخل يعمد رجال الإطفاء الأمريكيين إلى مهاجمة الحريق نفسه بملابس مضادة للحرق وأجهزة تنفس وهو ما يؤدي إلى  ارتفاع عدد القتلى من رجال الإطفاء الأمريكيين كما رأينا  أثناء أحداث 9/11 و كما نرى المآسي السنوية في حرائق الغابات الأمريكية. وفي تباين آخر نجد عقيدة الشرطة الأمريكية تعمد إلى البقاء بعيدا عن الخطر مثل ما نشاهد أثناء توجيه الأمر إلى سائق السيارة المشتبه فيه بالخروج منها واضعا يديه خلف رأسه وإلا فإنه سوف يمزق لقطع صغيره وهذا الأسلوب يؤدي إلي عديد من القتلى بلا ضرورة،
هذه الطرق المتباينة، المتعارضة لها جذور تاريخية وثقافية تتغير مع الزمن. وبالمثل فإنه فى مصر نستطيع ملاحظة أساليب معينة يمكن أن تتباين مع الطرق المتبعة في أماكن أخرى من العالم . وسوف أركز على النقاط الأساسية الآتية: التدوير والتنقلات -هيكل الورديات - خنق التجمعات -معوقات السلامه
التدوير والتنقلات
تفضل هيئات الأمن المصرية تدوير ونقل ضباطها بين أماكن ومهام مختلفة فقد يتم مثلا نقل ضابط جوازات في أسوان ليعمل في مكافحة الجريمة في الإسكندرية وقد ينقل ضابط يقوم بضبط أمن المسافرين في مطار أسيوط ليعمل في نقطة حراسة في سيناء وهكذا ..
هناك فوائد تاريخية في أن تكون قوات الأمن ملمة بمناطق مختلفة ومهام مختلفة ولكن معظم دول العالم الآن ترجح التخصص في مجالات الأمن المختلفة .. في بريطانيا مثلا تعتمد المطارات علي شركات حراسة متخصصة في حراسة المطارات وفي الولايات المتحدة، بعد أحداث 9/11 تم إنشاء هيئة حكومية متخصصة في أمن المطارات.
إن طبيعة الأخطار في هذا الزمن تحتم الاعتماد على متخصصين في كل المجالات .. ففي الولايات المتحدة وبريطانيا يختلف ضابط فحص الركاب عن ضابط فحص الجوازات .. لكل منهما تدريب مختلف وتكنولوجيا مختلفة ومهامهما ليست مجرد مأمورية تنتهي بعد فترة من الوقت حيث أن أحدهما يبحث عن خطر فوري بينما الآخر يبحث عن خطر مستقبلي.
تنظيم الورديات
خلال سفراتي في العديد من بلاد العالم من هونج كونج واليابان في إلى ألمانيا وسويسرا  في أوروبا وفي دول الشرق الأوسط مثل الإمارات والأردن لا أذكر أنني شاهدت إطلاقا مسؤول أمن في موقع حساس يشرب الشاي أو يدخن سيجارة أو يتحدث في تليفون شخصي مهما كان موقع عمله , ولكن هذه الأفعال معتادة في مصر بشكل روتيني والسبب الأساسي هو طيلة مدة الورديه بدون جدولة فترات راحة وكذلك غياب المتابعة.
وفي الحقيقة فإنه يستحيل أن تتهم مسئول أمن في اي مكان حساس بالتقصير إذا كانت مدة ورديته تمتد إلى 8 أو 12 ساعات متواصلة بينما المهمة تستلزم المراقبة الدقيقة والفحص ورد الفعل السريع وربما التدخل الفعلي لوقف خطر ما.
خنق التجمعات
يبدو أن خنق التجمعات جزء أساسي من عقيدة الأمن المصري.  نلاحظ خلق مسارات ضيقة سواء كان ذلك في نقاط تفتيش الطرق أو محطات المترو أو مداخل المباني أو المطارات وهذه المسارات الضيقة تنشئ زحاما شديدا يجعل من الصعب ملاحظة الأخطار بالوسائل الالكترونية مثل الكاميرات أو من خلال المتخصصين المدربين. من الصعب جدا في الأماكن شديدة الازدحام ملاحظة أي سلوك غير طبيعي أو يدعو للاشتباه. فكرة عنق الزجاجة تضيف أخطارا أمنية سواء تجاه رجال الأمن أو تجاه المسافرين  لأنها تسمح بإدخال أسلحة أو متفجرات مخفيه تجاه بوابات الأمن، الازدحام يعمل كحليف للإرهاب.


مثلا في الصالة رقم 3 بمطار القاهرة توجد أبواب متعددة ولكن الأمن يستخدم منهم بابا واحدا أو اثنين فقط. نرى على سبيل المثال في اليابان والسعودية  مثل مصر نقاط تفتيش للسيارات المتجهة إلى المطار ولكن في مصر تصب حارات الطريق في نقطة واحدة او نقطتين للتفتيش على عكس اليابان والسعودية حيث توجد نقطة تفتيش لكل حارة لتجنب حدوث الاختناقات ولتحقيق أهداف الأمن والسلامة معا.
معوقات السلامه
السنوات الأخيرة شهدت تقدم واسع في علوم الأمن والسلامة ومصر مثل باقي دول العالم تنفق أموال ضخمة في  نظم ومعدات معدات الأمن المتطورة ، فهناك أنظمة للكشف المبكر والإنذار عن الحرائق وأنظمة أخرى لاطفائها  ولمنع انتشار الدخان وتسهيل خروج الناس في حالات الطوارئ ويجب ملاحظة أن عدد المخارج يجب أن يكون متناسبا مع المساحات والاستخدامات المعنية .
في ميدان التحرير في قلب مدينة القاهرة يوجد مثالين لتوضيح كيف يتم التضحية بسلامة المواطنين من خلال طرق الأمن التقليدية وذلك بعمل اختناقات للتجمعات كما أوضحنا من قبل .. معظم مداخل محطة مترو السادات مغلقة بشكل دائم و يقتصر الدخول والخروج من هذه المحطة المزدحمة جدا علي عدد قليل من المداخل حيث يقوم المفتشون العاملون لورديات طويلة بتفتيش الداخلين فإذا حدث طارئ بالفعل فإن النتائج ستكون كارثية لأن معظم المخارج مغلقة تماما.
نفس المشكله موجوده في جراج التحرير الذي تم إنشائه تحت الأرض  بشكل متطور وحديث ولكن معظم مخارج النجاة مقفوله ولا يمكن فتحها من الداخل
هذان المثالان الحقيقيان يوضحان كيف أن خنق التجمعات يؤدي إلى التضحية بالسلامه بينما في الواقع لا يتم تحسين الأمن.
نظرة الي المستقبل
إن تطور أنواع وأحجام المنشآت وكذلك طبيعة  الأخطار في العالم بما فيه مصر يستدعي من السلطات المعنية تطوير أساليب التعامل مع الأمن والسلامة وإدارة الأزمات وهذا أمر عاجل وملح ليس فقط لحماية المواطنين وإنما لحماية رجال الأمن أيضا.
التعامل مع أنواع الأخطار الحديثة مثل الأعمال الانتحارية تستدعي الإقلاع التام عن أسلوب خنق وتركيز التجمعات ... المطلوب هو العكس تماما. وحيث أن مصر الآن تستثمر في شراء معدات أمنية متطورة فإنه من المحتم أيضا النظر في شئون الأفراد القائمين علي العمل .. مطلوب تخصص رجال الأمن في مهام محددة وتدريبهم على مهام تخصصاتهم وأهم شيء نظام مراقبتهم بطرق إدارية حديثة أثناء أداء أعمالهم. أخيرا أود التأكيد على أنه لا يجب التضحية بالسلامه من أجل ضمان الأمن لأن النتائج قد تكون مروعة.


أيمن سعيد عاشور





Tuesday, December 20, 2016

Security Doctrine In Egypt

A Call For Change!


Approaches to security vary in different parts of the world. In the USA, the levels of security for doors and locks are  below those in Europe. This is probably attributable to easy access to guns. In the US, robbers are more likely to be armed;  secure locks won’t block automatic weapons. The approach to safety also differs; where the British have firemen who seek to contain fires from the outside inwards, the Americans have firefighters who storm into the fires with flame retardant clothing and breathing apparatus. The high death toll amongst American firefighters from 9/11 and nearly annual tragedies from forest fires are a consequence  of this American doctrine. In another contrast, the American policing doctrine of remaining apart from the threat while ordering: “get out of the vehicle, put your hands on your head, or I blow you to pieces” often results  in unnecessary deaths. These opposing approaches have historic and cultural roots which change over time.


Similarly, in Egypt, we can observe certain practices and contrast them with approaches from different parts of the world. I will focus on the following key points that can be seen in the Egyptian approach to security and safety: Rotations, Shift Structure, Crowd Concentration and Safety Overrides.  The Egyptian practices may have served Egypt well in the past but the nature of the present environment and threats highlights a dire need for change.


Rotations: Egyptian security agencies tend to rotate their officers across different provinces and assignments. An officer in charge of the passport office in Aswan may be transferred to combating crime in Alexandria, another who’s in charge of airport screening in Assiut may rotate into checkpoints in Sinai. There are historic advantages in a security force familiar with different parts of the country and different roles. In contrast, in the UK, for example, airports rely on private specialist aviation security firms and, in the US post 9/11, a dedicated governmental agency for securing airports was established. The nature of threats today has made specialist security personnel vital. In the USA and UK, those responsible for screening passengers are different from those responsible for the arrivals’ passport control. These are different careers, not just temporary assignments. The technology and training used to support these two groups are different since one screens for imminent threats while the other looks for future threats.  


Shift Structure: From Hong Kong and Japan to Germany and Switzerland, across Middle Eastern countries such as UAE and Jordan, I cannot recall ever seeing a guard on duty at an airport or road checkpoint drinking tea, smoking or holding a personal mobile phone. Yet, this is normal practice, observed routinely in Egypt. The issue is the length of a shift with no breaks and the absence of supervision. It is impossible to fault a an officer or a security guard losing concentration when assigned a full eight or twelve hour shift. These are critical roles that often combine surveillance, screening and response or intervention.


Crowd Concentration: Perhaps as matter of doctrine, Egyptian security often relies on creating funnels, whether at road checkpoints, metro stations, entrances to buildings or airports. These funnels create large crowds and these crowds make it harder to observe the threat through automatic means such as video analytics or trained specialists. It is extremely difficult to detect suspicious behavior or threatening objects in overcrowded areas. Terminal 3 at Cairo Airport has multiple doors, yet only  one or two are ever in use. These bottlenecks present an added security threat both to the operatives and to the public, for they could allow a hidden approach to the checkpoint with explosives or weapons. Japan and Saudi Arabia, like Egypt, have vehicular checkpoints for cars approaching major airports, yet both avoid creating funnels, by having multiple tollgate like checkpoints and keeping the number of lanes unchanged.


Safety Overrides: A significant investment in large modern facilities goes into safety. There are  systems to detect and extinguish fires, control spread of smoke and to facilitate egress of people in emergencies. The number of exits is often based on analysis of projected use. At Tahrir Square, in the very heart of Cairo, stand two examples of how safety can be set aside to create funnels as described above. Many of the doors to the Sadat Metro station are permanently locked and barricaded. Entrance to this extremely busy station is limited to a few crowded points, where security operatives, on long shifts, screen commuters. Should an emergency actually occur in the station, the result could be tragic as many exits lead to dead ends. Tahrir Garage, a modern underground parking, has the same problem. Many of the fire exits are locked and can’t be opened from inside. These real examples of limiting entry points, show how crowd concentrations result in the override of safety while not improving security!


Looking Ahead: The evolution of the type and size of buildings and of the threats in Egypt, like elsewhere, requires the authorities to deal with security, safety and crisis management in new ways. This is an urgent matter, for the sake of protecting the security personnel as well as the general public.  Appreciation of the new types of threat, such as suicide bombing, requires a new security doctrine that abandons the deliberate creation of congestion and crowd concentration in favor of  the exact opposite. Since Egypt already invests in modern security and technologically advanced systems, it is critical that the human element is addressed. Specialization, training and monitoring of the officers and their personnel are of paramount importance. Finally, safety should not and need not be compromised to enhance security. With modern structures and present day threats, the consequences for marginalizing safety could be catastrophic.  

Ayman S. Ashour

The article was first published in Al Ahram here and also appeared in Egyptian Streets here.

Saturday, November 19, 2016

حتمية المصالحة

في دراسة المفاوضات كطريقة لإنهاء النزاعات وتسوية الخلافات هنالك نظرية اسمها الباتنا. حروف ال BATNA  هي اختصار ل البديل الأفضل عن الحلول التي تأتي بها المفاوضات ( Best Alternative To Negotiated Agreement) . عندما نتحدث عن المصالحة في مصر يجب أن نبحث ما هي البدائل للمصالحة. البديل الأول هو الانتصار الكامل: النزاع بين الأسد و فريسته ينتهي بالانتصار الكامل؛ الأسد يحقق هدفه و الفريسة تنتهي. البديل الثاني هو استمرار النزاع بصور مختلفة ، والبديل الأخير و هو المصالحة أو التسوية.

تواجه فكرة المصالحة في مصر الرفض لعدة أسباب سمعناها مرارا:
١- لا مصالحة مع من تلوثت أيديهم بالدم
٢- لا مصالحة مع من يدخل الدين في السياسة
٣-  لا مصالحة مع من يؤيد فكر الخلافة والإسلام السياسي و لا مصداقية لهم حتى إذا ادعوا أنهم تخلوا عن هذا الفكر.

دعنا نلقي نظرة سريعة على العالم حولنا، تسوية النزاع الدموي في إيرلندا الشمالية انتهت بالتصالح بين الحكومة البريطانية مع التيارات المتطرفة من البروتستانت من ناحية والجيش الجمهوري الكاثوليكي من ناحية أخرى. منظمات لها أذرع إرهابية ارتكبت جرائم بشعة  نجحت في التصالح في ايرلندا.  في يومنا هذا ننظر إلى العمل الجاد من أجل التصالح بين حكومة كولومبيا ومنظمة الفارك الإرهابية بعد حرب استمرت خمس عقود. وفي مصر نفسها ننظر إلى نهاية الصراع مع إسرائيل بعد أربع حروب سالت فيها دماء عشرات الآلاف ودمرت المدن وشردت مئات الآلاف. فكرة المصالحة بعد الدم ليست جديدة على الإطلاق.

ننظر إلى خلط الدين بالسياسة وهنا نجد أمامنا إسرائيل والأحزاب الدينية والضغوط التي تمارسها مثل منع حافلات النقل يوم السبت ومحاولات التأثير على المجتمع داخليا و السياسة الخارجية. ثم ننظر إلى الهند و نجد حزب BJP القائم على أساس ديني وتاريخ جماعات الهندوس المتطرفة وتغيير أسماء المدن والأعياد الرسمية.  ثم ننظر إلى الولايات المتحدة و دخول المسيحيين الإنجيليين المتشددين في السياسة منذ السبعينات الى يومنا هذا؛  الدولة ذات الدستور الأكثر علمانية في التاريخ لا تصادر حق اتباع الأفكار الدينية المتشددة من المحاولة المستمرة في التأثير على السياسة و على تمرير قوانين منبعها الأساسي هو العقيدة الدينية. منع الأحزاب الدينية فكرة غريبة لا صلة لها بالديمقراطية ولا بالعلمانية!

النقطة الأخيرة وهي رفض المصالحة لان الطرف الاخر يعمل من وحي عقائدي ولن يتخلى عن أفكاره السوداء و سيستمر إلى الأبد في المحاولة لفرض ما يرى أنه المشيئة الإلهية. إذا صح هنا فمن المنطق أن نصمم على الإبادة الكاملة، السلام الذي يشعر به الأسد بعد القضاء على فريسته، هو السلام الوحيد الذي نقبله إذن. هل مصر كدولة ترغب في حلول الإبادة الجماعية؟ و إذا رغبت هل هي فعلا قادرة على تنفيذ مثل هذا الحل الدموي المرعب الرهيب؟

إسرائيل تعرقل محاولات الوصول إلى حل نهائي مع الشعب الفلسطيني لأنها نجحت في الوصول إلى باتنا. استمرار النزاع أفضل من أي حل تفاوضي.قد يستمر النزاع لعقود طويلة و لكن ثمنه مقبول لإسرائيل. لماذا تقدم إسرائيل تنازلات ترى أنها قد تعرضها للخطر في المستقبل. الاقتصاد الإسرائيلي ناجح و الدبلوماسية الإسرائيلية حققت نجاح مقبول. الفلسطينيون يحاولون تحقيق تقدم عن طريق انتزاع الباتنا من أسرائيل عن طريق الضغوط السلمية  تارة والعنف تارة أخرى وإسرائيل تعمل على أضعافهم حتى تحافظ على الباتنا. وفي هذا المثال نتحدث عن فكرة التفاوض دون التوغل في قيم العدالة والأحقية.

الإبادة النهائية ،بغض النظر عن المسؤولية الأخلاقية،  ليست متاحة كحل للنزاع مع الإسلام السياسي في مصر. استمرار النزاع لعقود طويلة غاية في الصعوبة نتيجة الثمن الاقتصادي العالي. الخلاف مع الإسلام السياسي في مصر ليس معزول في منطقة جغرافية محددة  ولا في طبقات معينة. الخلاف والاستقطاب موجود في كل مكان في مصر، الخلاف و الاستقطاب موجود حتى في الأسرة الواحدة. مصر في أمس الحاجة إلى الاستثمار المحلي والأجنبي واستمرار النزاع يهدد الاستقرار والاستثمار. عاجلا ام اجلا المصالحة مع التيار الإسلامي في مصر حتمية! و ربما اليوم مع فوز دونالد ترامب بالرئاسة الأمريكية ومع قرب نهاية داعش تجد الدولة المصرية نفسها في موقف يساعدها على الوصول إلى مصالحة من موقع أفضل من الثلاث سنوات الأخيرة.

ما هي أسس المصالحة ؟

اولا: دستور يتكفل بمبادئ حقوق الانسان طبقا لمعاهدات جنيف و الميثاق الدولي لحقوق الإنسان. و هذا الدستور قد يكون ما يسمى دستور فوقي ولا بأس من ذلك. و يتم تعديل هذا الدستور بموافقة الغالبية العظمى من المواطنين و تكون الغالبية العظمى في كل المحافظات. وعلى سبيل المثال ٧٥٪ او حتى ٩٠٪ في كل المحافظات. إذا صوتت جميع المحافظات بتعديل ما  وفي أسيوط أو جنوب سيناء وصل التصويت لصالح التعديل إلي ٦٠٪  فقط فلا يقبل التعديل.  الدور الأساسي للدستور هو حماية حقوق الأقليات من ديكتاتورية الأغلبية.


ثانيا: علاقة الدين بالدولة: يتم استبدال المادة الثانية بمواد تشير إلى المضمون المطلوب دون الاستعانة بعموم الشريعة الإسلامية. على سبيل المثال يجب وضع قوانين تسمح أو لا تسمح بتعدد الزوجات، قوانين تحدد قواعد الإرث و تسمح أو لا تسمح بالوصايا. و هذا يعني ان نصل الى فكرة قانون وضعي بالكامل بدون الحاجة الى اللجوء الى الفقيه. الإعدام يتطلب مراجعة محكمة عليا  طبقا لأسس قانونية ودستورية وليس موافقة المفتي.
 
المصالحة إذن ليست في الإصرار عن تخلي مؤيدي الاسلام السياسي او الخلافة عن أفكارهم و لكنها تكمن في التوصل إلى خارطة طريق تعطيهم بريق من الأمل، ولو محدود، في تحقيق جزء من أهدافهم بطرق سلمية مع الحفاظ على حقوق الإنسان. الدستور الأمريكي العلماني ،نظريا، يقدم اليوم للإخوان وأنصارهم طريقة ديمقراطية لتطبيق قوانين مستوحاة من الشريعة الإسلامية في أمريكا نفسها عن طريق تشريع قوانين المطابقة للدستور مع الحفاظ على علمانية الدولة. الفكرة الأساسية هي إعلاء نص القانون الوضعي المعاصر المفهوم للجميع بغض النظر عن مصدره. اليوم نجد تيارات التمييز الديني والعنصري في أمريكا تحرض بشدة ضد المسلمين، ولكن رغم قلة عدد المسلمين في أمريكا (حوالي١٪) إلا أن دستور الحريات وحقوق الإنسان يحمي هذه الأقلية الصغيرة من خطر الأغلبية و أي محاولة لتغيير الدستور تستغرق سنوات طويلة وتتطلب موافقة الأغلبية العظمى من المواطنين في كل الولايات.

إذا كان الإخوان و أنصارهم فعلا لا يؤمنون بفكرة  مصر كدولة وثقافة ووطن وشعارهم هو فعلا "طز في مصر" دعنا، رغم رفضنا الكامل لفكرهم، نرحب بهم في العملية السياسية. دعهم يقدمون مشاريع قوانين وإذا أرادوا تعديل الدستور لتقليل الحريات أو حتى لدمج مصر مع تركيا أو غيرها دعنا نقدم خريطة دستورية واضحة وشديدة الصعوبة لتحقيق غايتهم. نحن لا نملك القدرة على تغيير الأفكار و لسنا قادرون على حلول الإبادة النهائية او الاقصاء الأزلي. إذا تمكن الإخوان من الحصول على تأييد ٩٠٪ من الشعب لتغيير اسم مصر او لضمها لتركيا هل من المعقول ان لا يسمح لهم تطبيق سياسة "طز في مصر"؟

كيف نضمن الحفاظ على الدستور؟ مصر دولة ضعيفة المؤسسات و تعاني من نسبة عالية من الأمية السياسية و موروث ضخم من النزعات التمييزية والتسلطية والعصبية. هنا يأتي دور الجيش وباقي مؤسسات الدولة في الحفاظ على الدستور وفِي الحفاظ على قضاء مستقل يحكم بنصوص وضعية.

كيف نضمن الحريات؟ كيف نضمن احترام الدستور؟ هذه كلها أمور غاية في الأهمية و يجب ان تستغل الدولة التحسن في المناخ الدولي في الحصول على الضمانات التي تقلل الشك والقلق. مصر في حاجة إلى تحقيق نسب نمو اقتصادي عالية. الفقر والمعاناة والإقصاء هم  روشتة للتلاعب بعقول البسطاء وغسيل الأمخاخ. مناخ الحرية والتقدم الاقتصادي و التعليم هو أفضل طريقة لضمان الحريات وحقوق الانسان. الإبادة الجماعية مستحيلة، استمرار النزاع يَصْب في صالح من ننازع. المصالحة الاجتماعية والسياسية حتمية و الوقت المناسب هو اليوم قبل الغد.

أيمن سعيد عاشور

Wednesday, October 19, 2016

الثالوث المقدس

تتجنب الدراسة التاريخية للمسيحية في الغرب التعرض للنواحى الدينية والأمور التي هي محض إيمان أو قناعة دينية. تعتمد الدراسة التاريخية على المخطوطات المسيحية القديمة ووثائق الدولة الرومانية و تتعامل مع كل هذه الأمور بطريقة علمية بحتة بعيدة عن أفكار قدسية الأديان والإيمان بها. 

من أهم الأمور في تاريخ المسيحية موضوع ألوهية يسوع. متى تحول يسوع إلى إله. أستاذ تاريخ الأديان بجامعة نورث كارولينا بارت ايرمان ( Bart Ehrman ) نشر كتاب منذ عامين للخوض بالتحديد في هذا الموضوع. ويرى ايرمان ان ألوهية يسوع موضوع غاية في الأهمية في تاريخ الإنسانية. لولا ألوهية يسوع كانت المسيحية استمرت كحركة يهودية محدودة و ما تحولت الدولة الرومانية ككل إلى المسيحية. 

بحث ايرمان بالتحديد في أوضح نص عن فكرة الثالوث المقدس رسالة يوحنا الرسول الأولي ٥-٧ : "فَإِنَّ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ فِي السَّمَاءِ هُمْ ثَلاَثَةٌ: الآبُ، وَالْكَلِمَةُ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ. وَهؤُلاَءِ الثَّلاَثَةُ هُمْ وَاحِدٌ." والمقصود بلفظ "الكلمة" في الايه هو يسوع. لم يجد ايرمان في المخطوطات اليونانية القديمة هذه الآية و في بحثه عن مصدر الآية وجد أنها ظهرت في المخطوطات اللاتينية في العصور الوسطى. الإنجيل المنتشر حاليا في العالم هو ما يسمى إنجيل الملك جيمس بناء على أول إنجيل نشر بالإنجليزية عام 1611. اعتمد مترجمي إنجيل الملك جيمس على  نسخة تمت طباعتها باللاتينية مع الأصل  اليوناني أصدرها آراسموس الهولاندي

اول طبعة أصدرها آراسموس كانت خالية من هذه الآية. تعرض آراسموس لهجوم شديد من رجال الكنيسة الموالين للبابا و لكنه رفض تماما ان يدخل هذه الآية لأنه لم يجدها في أي مخطوطة يونانية. وعد آراسموس منتقديه أن يشمل هذه الآية في طبعات لاحقة إذا قدموا له مخطوطة باليونانية تشملها. يخمن ايرمان ان رجال الكنيسة قاموا بنسخ مخطوطة كاملة باليونانية لإرضاء آراسموس الذي وفى بوعده و في طبعة لاحقة ظهرت الآية بالأصل اليوناني و الترجمة اللاتينية. هذه هي الطبعة التي استخدمت في ترجمة الملك جيمس الشائعة إلى يومنا هذا. 

هنالك عدة آيات أخرى في الإنجيل تتحدث عن ألوهية المسيح  و يقدم ايرمان مناقشة شيقة عن التغيير في فكرة ألوهية المسيح من رسائل بولس الرسول ( تاريخيا اقدم اجزاء الإنجيل) إلى أناجيل مرقس، متى ولوقا إلى أحدث أجزاء الإنجيل و هو انجيل يوحنا و سفر الرؤية. نجد ألوهية المسيح تبدأ بعد الصلب و العودة الى الارض مع بولس و مع مرقس نراها تبدأ عند التعميد و مع متى و لوقا نراها تبدأ مع الولادة و عذرية مريم و لكن مع يوحنا نراها موجودة قبل من بداية الخلق (من قبل ابراهام كنت انا).

في كل أجزاء الانجيل هنالك دائماً فكرة ان الرب واحد و رفض تام لفكرة تعدد الاله. كلمة أخيرة، أحب أوضحها وهي انني لا أهاجم المسيحية على الإطلاق و لكن في الحقيقة انا احسد المسيحية على وجود نشاط علمي تاريخي نقدي للدراسة التاريخية بدون خوف و بحرية علمية كاملة خالية تماما من اي قيود. 

أيمن سعيد عاشور

Saturday, August 27, 2016

The Burkini: A Veil of Confusion

My mother died from Alzheimer's disease three years ago. While deeply religious, she disapproved of the veil and never veiled. I remember a time when she, defiantly, remained the only unveiled woman in her apartment building.

When my parents moved to that building in the early eighties, few of the women in this five story building were veiled. By the late nineties, my mother was the only unveiled woman there. She received advice and other forms of proselytization from some of the other women in the building and invitations to attend religious lessons. Group religious lessons were the primary way many women in the urban centers of Egypt became veiled.

In her last years, my mother became increasingly confused because of the Alzheimer's. She'd often start prayers and forget that she had just finished, so she'd start again and go into endless cycles of prayers. At times she became extremely confused, unsure whether she was veiled or not. In her last two years, on the rare occasions when she went out of her apartment, she asked for a veil and I would assure her that she wasn't veiled. A couple of times I helped her remove it as she smiled. A couple of other times she'd put it on and then mid-journey she'd ask ‘what is this thing on my hair?’

Too many women, less fortunate than my late mother, had no choice and were forced to veil against their own will. The veil in Egypt was imposed socially, but not legally. Few women were able to resist the societal pressure. The state colluded with the societal pressure; even progressive revolutionary unveiled women who confront the government and end up facing legal charges almost always take up the veil in courts. In the last few years, unveiling started, but the vast majority of Egyptian women remain veiled and the pressure to veil remains immense.

What's interesting about the veil is that it is viewed as an affirmation or a negation of women's bodies and freedom, depending on the ideas one is holding. Advocates of veiling market the idea that only through modesty can women liberate themselves from being objects of desire and may then be viewed as human beings for their brains and personalities.

Meanwhile, opponents view the veil as the ultimate in objectification and subjugation. Opponents believe veiling treats women’s bodies as mere objects to cover and faults them for arousing desire in men. Veiling also assumes, opponents say, that women can't have desires of their own and such desires are implicitly denied and suppressed.

As I look to the French ban on veils on the beach I feel conflicted. I'm happy that France is taking an affirmative answer to the objectification of women’s bodies and minds. But I'm also sad that France is fighting ideas, unnatural and deviant as they may be, by force of law. France is descending into an Iran or a Saudi Arabia in an inverse battle over the bodies of women. France would have denied my mother the free will to choose to veil or not.

One argument is that the ideology of violence and terrorism, which France has been suffering from in recent years, is the very same ideology behind the veil. This argument is contrary to the most fundamental of principles of human rights. For people are ultimately only responsible for their own actions. Individual responsibility lies at the very heart of liberty.  A veiled woman on the beach in Nice can't be held responsible for the violent acts of a veiled woman in a park in Reims.

The French ban disregards another important consideration. Leila Ahmed, in her book A Quiet Revolution, argues that many veiled Muslim women in the USA and in Egypt advance feminist causes in their societies. She argues that women use the veil as shield to allow them to participate in a world full of patriarchy. Had the Olympics not allowed the Egyptian athlete to veil while playing beach volleyball, she simply would not have been allowed to compete and wouldn’t have been allowed to make it to Rio in the first place.

The veil has been a tool of liberation for many women hailing from conservative homes. The French ban does not stop the patriarchy at the homes of these women, but rather adds a new patriarchy in the opposite direction over control of their bodies. The veiled women of France are now being punished by the authorities and are denied the feel of the wind on their faces.
Ayman S. Ashour

This essay first appeared on Egyptian Streets