Showing posts with label الشرطة،. Show all posts
Showing posts with label الشرطة،. Show all posts

Tuesday, February 09, 2016

التعذيب و محور الشر

تتفشى ثقافة العنف في مصر. العنف موجود في التعامل مع الأطفال في البيت والشارع والمدرسة والملعب، العنف موجود في المظاهرات السلمية وغير السلمية.. العنف موجود في أفلامنا وأغانينا، لكن رغم تغلل العنف في المجتمع، هنالك رفض واسع  لممارسته من قبل الدولة. التعذيب كان ولا يزال من أكبر أسباب غضب الشعب المصري، وربما كانت سلخانة التعذيب في ليلة الاتحادية  ٥ ديسمبر ٢٠١٢ هي نقطة التحول الأهم والمحرك الأكبر في انقلاب الشعب المصري على الإخوان المسلمين ونظامهم.
اصدق أن هنالك رغبة حقيقية من النظام المصري  للتخلص  أو على الأقل الحد من التعذيب والعنف في تعامل الشرطة وأجهزة الأمن مع المواطنين.. اتذكر حديث وزير الداخلية، منذ أكثر من عامين قبل توليه منصبه، في برنامج تلفزيوني عن دورات تدريب تقوم بها الوزارة عن حقوق الإنسان، تحدث باستفاضة وباستخدام ألفاظ علمية حديثة عن برامج كان يقودها عندئذ كمساعد لوزير الداخلية.. التخلص من التعذيب يعني تغييرا واسعا في منظومة ضخمة تحتكر قانونيا آليات العنف في ومن مجتمع يستعمل ويقبل العنف: النجاح في إحداث التغيير المطلوب يتطلب الكثير.
فكرة التغيير والنجاح في التغيير غاية في الأهمية في إدارة الأعمال، توجد كورسات عن إدارة التغيير change management وكتابات عديدة عن فكرة التغيير نفسها.
في مادة دمج وشراء الشركات التي أقوم بتدريسها منذ سنوات، جزء عن  التغيير وآلياته والعقبات التي يواجها من يسعى له.. مقاومة التغيير تشكل أحد أهم الأسباب لفشل مشاريع دمج شركات، ونرى أمامنا أمثلة عديدة: فشل دمج شركة كرايزلر الأمريكية مع  شركة  دايملر بنز الألمانية، ومثال آخر شهير في التكنولوجيا والإعلام  لشركتين أمريكتين، وهما إيه أو إل AOL وشركة تايم وارنر.
“التغير هو كإزالة شريط بلاستر لازق على جلد الإنسان، حدث صعب ومؤلم.. بطيء ومؤلم أو سريع ومؤلم” هذا المثال هو أحد الكليشهات حول صعوبة التغيير، يعبر بدقة عن طبيعة البشر.. التغيير صعب ومؤلم كإزالة البلاستر: change is painful, fast and painful or slow and painful. بعد استخدام جورج بوش لتعبير محور الشر أو Axis of evil ابتدعت استخدام التعبير ذاته لشرح طرق مقاومة التغيير وكيفية التعامل معها لطلابي.. يتكون محور الشر كما أقدمه من ثلاث نقاط:
أولا: لا يعلمون:
هنالك البعض قادرون على التغيير، ولكنهم لا يعلمون أن التغيير حقيقة مطلوبة وأن هنالك حاجة جادة للتغيير.. يقاومون التغيير لأنهم لم يصدقوا أو يفهموا أنه فعلا مطلوب.
ثانيا: لا يقدرون:
وهنالك البعض يعلم أن التغيير مطلوب، ولكنهم غير قادرون على التغيير، ربما يحتاجون إلى مهارات مختلفة أو أدوات جديدة.. يتشبثون بالطرق المعتادة لإنجاز أعمالهم ولا يعرفون طرقا أخرى لتحقيق ما هو مطلوب منهم.
ثالثا وأخيرا: لا يقبلون:
هولاء هم الرافضون عن علم وعن قدرة، يعلمون برغبة روسائهم في التغيير وقادرون على التغيير واستعمال طرق أخرى لتحقيق المطلوب منهم، لكنهم يرفضون التغيير.. الأسباب تتفاوت من خوف من فقد النفوذ إلى اختلاف مبدئي يرفض الأسباب والمنطق الذي يدعو إلى التغيير من الأصل.
التعامل مع الثلاث نقاط أعلاه غاية في الأهمية لإحداث وتفعيل التغيير المطلوب.. من لا يعلم نخبره بحتمية التغيير ونحاول أن نصل إليه عقليا بالأسباب التي تجعلنا نطلب التغيير.. من لا يقدر نقوم بتدريبه وتعليمه ونقدم له الآليات المطلوبة لتفعيل التغيير المطلوب، وأخيرا من لا يريد هو الأسهل، هذا نتخلص منه.. البعض لا يريد لأنه لا يعلم أسباب التغيير، وهذا قمنا بعلاجه في النقطة الأولى، والبعض لا يريد لأن لديه قناعة بداخله أنه لن يتمكن من القيام بدوره، وهنا النقطة الثانية وهي التعليم والآليات البديلة، ويتبقى في النقطة الأخيرة من لا يريد ويرفض التغيير مبدئيا، هؤلاء هم أعداء التغيير ولا جدوى في المحاولة معهم بغض النظر عن أسبابهم.
القضاء على التعذيب هو تغيير منهجي واسع يتطلب التعامل الجاد مع الثلاث نقاط.. الدورات التدريبية على حقوق الإنسان والعقوبات ضد ممارسي التعذيب أمور غاية في الأهمية، لكنها ليست كافية، وجود آليات وإمكانيات وأدوات للتحري والتحقيق جزء مهم من محاربة النقطة الثانية. يمكن للرئاسة والبرلمان تقديم مساعدة مهمة للقضاء على التعذيب، وهي تتمثل في التشريع بقانون يلغي القبول بالاعتراف على النفس كدليل، وهو ما نجده في معظم قوانين العالم المتقدم، وإلى أن يقوم المشرع بدوره، من الممكن أن تقوم الشرطة والنيابة بتعديل قواعدهما الداخلية لمنح الأفضلية في الترقيات لمن لم يتعامل مع اعترافات على النفس أو الغير بدون دليل مادي.. الاعتراف ما هو إلا جزء من الأسباب، اقدمه هنا كمثال.
التغيير ليس أمرا سهلا أو بسيطا، ويتطلب الاعتراف بعمق المشكلة وأسبابها وظواهرها وكل النقاط على محور الشر، وربما تبدأ الداخلية بكليات ومعاهد الشرطة المختلفة والتعامل مع العقاب البدني فيها.

 أيمن سعيد عاشور

نشرت هذه المقالة على موقع زائد ١٨ 

Sunday, January 31, 2016

٢٥ يناير ١٩٥٢

شاهدت فيلم تسيجيلي بريطاني عن ما يسمونه البريطانيين حرب السويس و ما نسميه في مصر العدوان الثلاتي او حرب ١٩٥٦. شمل الفيلم فقرات مطولة عن تاريخ قناة السويس و النزاع بين مصر و بريطانيا على مر السنين. احتوي الفيلم على فقرة مطولة عن ٢٥ يناير ١٩٥٢ و المعركة اللتي دارت بين الجيش البريطاني المسيطر على منطقة قناة السويس و الشرطة المصرية التي كانت متمركزة في مبني مديرية الأمن او مبنى محافظة الإسماعيلية. الإنجليز حاصروا المبني و دارت حرب شعواء بين الطرفين استمرت حوالي ٢٤ ساعة انتهت بانتصار الإنجليز و قتل عدد ضخم من رجال الشرطة المصرية و القبض على عدد اكبر  منهم. من ضمن المشاهد التي أتذكرها في الفيلم انتصاب البريجادير البريطاني المنتصر لتحية ضابط الشرطة المصري الاقل رتبة كنوع من الاحترام لبسالته و قيادته البطولية لرجاله. رد ضابط الشرطة المصري التحية العسكرية. ضابط الشرطة المصري نفسه ظهر في الفيلم التسجيلي يسرد القصة بالكامل بلغة انجليزية ممتازة.


اصرار الضابط المصري على عدم اخلاء المبني بدأ تطبيقا لاوامر صدرت إليه من قيادته و من فؤاد سراج الدين وزير الداخلية نفسه و على ما اتذكر بعد بداية المعركة انقطع الاتصال التليفوني تماما بالمبني. قتل في هذه المعركة ما يزيد عن الخمسين من رجال الشرطة المصرية قبل الاستسلام في النهاية، و طبعا الاستسلام او الفناء النهائي كان امر محتوم. الجيش البريطاني كان يقوم بدور الجيش المصري في هذه المنطقة. هذا إذن كان صراع كامل بين الشرطة و الجيش المسؤلين عن هذه المنطقة. لم يكن هنالك احتمال او امكانية لوصول اي مساعدات او إمدادات للشرطة في الإسماعيلية، كانوا منعزلين تماما عن العالم و في حالة حرب مع الجيش البريطاني بكامل قوته و قدراته و معسكراته و قدرته على الحصول على دعم إضافي و معدات و دبابات الخ.


الدور الذي لعبته الشرطة في ذلك اليوم كان دورا وطنيا و لكنه لم يكن عمل من اعمال الشرطة المعتادة. بطولة الشرطة المصرية في ذلك اليوم كانت في اداء عمل عسكري، الدخول في حرب مع الجيش البريطاني و رفض الانصياع لرغبة الجيش البريطاني الموجود على الاراضي المصرية بقوة القانون المصري و الدولي طبقا لمعاهدة ١٩٣٦ التي أعطت مهمة حماية و تأمين قناة السويس و المناطق المحيطة بها للجيش البريطاني. إلغاء النحاس باشا لمعاهدة ١٩٣٦ قبلها بأشهر لم تقبله بريطانيا لان المعاهدة كانت تنص على المراجعة في عام ١٩٥٦، بعد مرور ٢٠ عام على تطبيقها. الالغاء من طرف واحد كان خروج عن بنود المعاهدة و بنود المعاهدة كانت تنص على التحكيم امام عصبة الامم (الامم المتجدة لاحقا) و لكن رغم الموقف القانوني الشائك وقفت الحكومة و الشرطة المصرية مع الرغبة الشعبية.


اختيار يوم هذه الواقعة بالذات كيوم عيد للشرطة يحيرني و تدور أفكار مختلفة في عقلي عن هذه الواقعة ... هل كان تطبيق الأوامر و التضحية بحياة العديد من رجال الشرطة عمل صائب؟ لم يكن الانتصار على الجيش ممكن و في النهاية استسلم الضابط و باقي رجاله و قبض عليهم من قبل الجيش البريطاني المتواجد في تلك المنطقة "قانونيا". بلا جدال الدور الذي لعبته الشرطة ذلك اليوم كان دور وطني باسل و لكنه لم يكن عمل شرطي او بوليسي بل كان عمل حربي عسكري. الرغبة الشعبية العامة في هذه الحقبة كانت مع إنهاء التواجد البريطاني العسكري في مصر و الصراع  بين المصريين و الجيش البريطاني شمل استقالات و إضرابات و مظاهرات و تفجيرات. حكومة النحاس كانت منحازة لاي عمل ضد القوات البريطانية و اتهمت بريطانيا الشرطة المصرية بالتواطئ مع الفدائيين. هل من قرر اختيار ٢٥ يناير عيد للشرطة اخذ في اعتباره عسكرية الشرطة، مواجهتها للسلطة العسكرية الرسمية و انحيازها للرغبة الشعبية و التعليمات من الحكومة بتجاهل الوضع القانوني المعقد؟


تعاقبت الأحداث و ووصلت الإضرابات الي القاهرة في اليوم التالي ٢٦ يناير ١٩٥٢ و بعد مقتل و أسر رجال الشرطة في مذبحة الإسماعيلية جلس قادة الشرطة و الجيش المصري مع الملك فاروق في قصره احتفالا بعيد ميلاد و لي العهد ... و احترقت  القاهرة!  أقال الملك فاروق وزارة النحاس باشا و بعد ايام و في شهر فبراير افرج الجيش البريطاني على اسرى الشرطة. اجهل الكثير من احداث تلك الايام و اعادة كتابة تاريخ ما قبل حركة الضباط الاحرار في الحقبة الناصرية يضع امامنا العديد من الاسئلة بلا اجابات واضحة.


أيمن سعيد عاشور

نشرت لاول مرة علي موقع زائد ١٨

Thursday, December 25, 2014

تقرير مجلس الشيوخ الامريكي عن التعذيب

ما هي أهمية التقرير و ما يعني لامريكا كدولة تتدعي انها دولة قانون تقدس حقوق الانسان و تعطي لنفسها حق تقديم النصح لدول العالم؟ قرأت عدة مقالات و تعليقات في الصحف المصرية تدور حول النقاط التالية:

- امريكا تتدعي كذبا احترام حقوق الانسان و تتدخل في شؤون الدول المختلفة بحجة حقوق الانسان و مشاكلها من التعذيب الي تعدي الشرطة على السود تفقدها الحق في توجيه النقد للغير.
- امريكا اثبتت لنا ان استعمال التعذيب و العنف المفرط و عدم اتباع القانون في فترات الأزمات و مكافحة الاٍرهاب أمر طبيعي و مقبول.  

و لكن قرأتي و انطباعي كمصري أمريكي بعد قراءة التقرير كانت مختلفة عن رد الفعل أعلاه ، طبعا كان لدي شعور بالغضب و التقزز من الاستعمال الموسع و المنهجي للتعذيب و انتهاكات حقوق الانسان و لكن هذا الجزء لم يحتوي علي جديد، فضائح التعذيب و تسريبات أبو غريب و قصص جوانتنامو كانت جزء أساسي من إنهيار منهج المحافظين الجدد و إدارة الرئيس بوش. أتذكر ايضا قرأتي لكتاب عن  الامريكي السوري الذي اعتقل بعد إعصار كاترينا في مدينة نيو أورليانز و كيف تحول هذا الامريكي المسلم الشجاع الذي ظل في مدينته للحفاظ على بيته و عمله.  عبد الرحمن زيتون كان يقدم المساعدة لكل من قابل بعد الإعصار حتى الكلاب التي هرب أصحابها و تركوهم كان يحضر لهم الطعام يوميا، تحول ذلك الانسان النبيل الي ارهابي مشتبه فيه، قرات عن معاناته في سجن أشبه بجوانتنامو داخل الاراضي الامريكية نفسها. التقرير لم يحتوي علي الجديد ليصدمني، و لكن نشر التقرير زاد من تقديري لامريكا كنظام و دولة قادرة علي مواجهة مشاكلها بشفافية، قادرة علي فتح جروح عميقة و تطهيرها، سأتحدث عن موضوع العقاب لاحقا و ايضا عن مازال يقلقني و كيفية ضمان عدم تكرار ما حدث مرة اخرى في المستقبل.

نعود بالذاكرة الي فترة ما بعد كارثة ١١ سبتمبر ٢٠٠١، جريمة ارهابية قاسية، اعتداء غاشم علي ابرياء مدنيين لا ذنب و لا حيلة لهم. ذلك الحدث المأسوي أوقع إدارة بوش تحت قبضة ما يسمى باليمين المتشدد او المحافظين الجدد تحت قيادة نائب الرئيس الامريكي ريتشارد تشيني. الأحداث تعاقبت لعلاج مشاكل الاٍرهاب طبقا لعقيدة المحافظين الجدد: الاٍرهاب النابع من التيار الاسلامي المتشدد، في نظرهم، هو نتيجة عدم وجود مجتمع استهلاكي ديمقراطي  فبدلا من تركيز كل إنسان في نفسه و طموحاته كما يحدث في امريكا يقوم أهل الشرق الأوسط او العالم الاسلامي بتفريغ طاقتهم السلبية و فشلهم في تحسين ظروفهم في التحول الي التطرّف الديني و كراهية الغير بدا باليهود و اسرائيل الى القيام بعملية ١١ سبتمبر ٢٠٠١. الغاية بررت الوسيلة لتشيني و اتباعه، غزو العراق لبناء ديمقراطية حقيقية قادرة علي تقديم مثال للشرق الأوسط الجديد، تحالف أعمق مع اسرائيل كخط دفاع اول في المواجهة مع التطرّف الاسلامي، الي اخره كما شاهدنا في فترتي رئاسة بوش. الغاية تبرر الوسيلة كانت شعار المرحلة حتي في تطبيق القانون و هنا كان دور هام لمحامي البيت الأبيض و رجال القانون من المحافظين الجدد.

بوش، تشيني و رامسفلد و وولفويتز هي الأسماء التي سمعنا عنها مرارا عن تلك الفترة و لكن المسؤلية الكبري عن التعذيب تقع في الحقيقة مع أشخاص اقل شهرة و أهمهم چون يوو، رجل قانون غاية في الذكاء، أمريكي من أصل كوري، تلقى تعليمه في اعظم جامعات الولايات المتحدة و تعلم القانون تحت إشراف مشاهير القضاة و لكن جون يوو كان يميني متشدد، استغل عبقريته القانونية في تفسير القانون الدولي و الامريكي بطريقة سمحت لامريكا بتجاهل معاهدات چينيڤ الدولية لمعاملات اسرى الحرب. روؤية چون يوو للقانون الامريكي في فترة رئاسة كلينتون ان سلطات الرئيس محدودة للغاية فيما يتعلق بقدرته على الحفاظ على سرية منصبه في الامور الداخلية و لكنه كتب مقالات مؤيدا لكلينتون في التدخل الامريكي في سرابيا بدون طلب الموافقة من الكونجرس، يؤمن  يوو بان القانون و الدستور الامريكي يعطي الرئيس سلطات واسعة للغاية في شؤون الأمن القومي. آراء چون يوو كانت السبب الأساسي في تعيينه في إدارة بوش في ما يقابل وزارة العدل و هنا قام يوو بإصدار تفسيرات قانونية سمحت بممارسات التعذيب لحماية الأمن القومي الامريكي. واجهت تفسيرات يوو القانونية المعارضة من بعض رجال القانون في الجيش الامريكي و في وزارة العدل نفسها كما عارضها ايضا كولين باول وزير الخارجية عندئذ، و لكن تم اعتماد تفسيرات يوو من محامي البيت الأبيض و من وزير العدل وعُرفت تقارير بعد التسريبات التي فضحتها برسائل التعذيب او Torture Memos. چون يوو لم يكن محامي صغير او موظف بسيط يريد فقط رضاء كبار المسؤلين بل بالعكس،  فلقد كان أستاذ للقانون في جامعة من اهم جامعات امريكا و أشهرها و عند تعينه مساعد لوزير العدل كان رجل قانون ذو سمعة و صيت و نشر له العديد من الأبحاث القانونية و المقالات في اشهر صحف امريكا.

تاريخ الشعوب كلها مليئ بالاخطاء، بعضها تواجه اخطائها بصراحة و تتعلم منها كشعوب و دول و مؤسسات، للولايات المتحدة العديد من الأخطاء من التفرقة العنصرية ضد كل من هو ليس أوروبي بروتستانتي ابيض الي اعتقال أبناء امريكا من أصول يابانية اثناء الحرب العالمية الثانية الي فضائح المخابرات الامريكية في الخمسينات و الستينات و فضائح التجسس و التعذيب التي حدثت بعد ١١ سبتمبر ٢٠٠١. نجحت الولايات المتحدة في مواجهة تاريخها العنصري نجاح لا مثيل له في تاريخ الشعوب، قوانين حازمة لمكافحة التمييز و العنصرية، قوانين تعطي الافضلية لشركات مملوكة للاقليات، منظومة التعليم و الاعلام كلها تعمل بجدية للقضاء علي التمييز، هل هذا النجاح كامل ؟ طبعا لا و نسمع عن مشاكل و احداث و موت ابرياء و لكن هذا الفشل لا يقلل من الجهد الغير مسبوق تاريخيا في مكافحة التمييز شعبيا، قانونيا، اقتصاديا و حتى لغويا. و كذلك نري ماساة اعتقال اليابانيين الامريكين بناء علي قرار الرئيس روزفلت، تقدم الرئيس رونالد ريجان باعتذار مفصل و كامل للمعتقلين و ابنائهم و احفادهم. اتذكر انني، في أعقاب سبتمبر ٢٠٠١، كنت ألقي مجموعة من الخطب عن الاسلام و طبيعة حياة المسلمين في عدة مدارس  في مدينة بوسطن مع أمريكي ياباني قضي طفولته في معتقل مانذنار في ولاية كاليفورنيا، كنت اتحدث انا عن الاسلام كدين و هوية لمئات الملايين من البشر باختلافاتهم و وجود تسامح و تطرف، روحانية جميلة و عنف بغيض، و كانت رسالتي الاساسية ان وجود إرهابيون مسلمين لا يعني ان كل المسلمون إرهابيون.  و كان رفيقي الياباني الامريكي يتحدث عن حياته و اسرته في المعتقل لمدة تقارب الثلاث سنوات و نشاطه مع اخرين للحصول علي اعتذار رسمي من الادارة الامريكية. إعتراف أمريكا بالأخطاء في حق اليابانيين و مواجهة تلك الأخطاء كان سبب أساسي في كسر شوكة ردود الفعل ضد العرب و المسلميين. هل كانت ردود الفعل مقبولة؟ بالطبع لا و لكن مقارنة سريعة بأحداث مماثلة في العالم ترينا نجاح أمريكا تخطي أخطائها و النضج كحضارة و دولة، و كيف تتعلم الشعوب من اخطائها.

و الان ماذا عن تقرير مجلس الشيوخ الامريكي و التعذيب، دعنا نتذكر أن الرئيس اوباما بعد توليه منصبه بيومين قام بإلغاء التفسيرات القانونية التي وضعها چون يوو و استعملتها إدارة بوش، دعنا ايضا نتذكر ان محامي البيت الأبيض في فترة بوش الأولي ألبرتو جونزالس الذي تولي منصب المدعي العام او وزير العدل عام ٢٠٠٥ أرغم علي الاستقالة من منصبه في ٢٠٠٧ بعد تسريبات عن التعذيب و دوره في الموافقة على آراء يوو. كلا من جونزالس و يوو واجها تحديات قضائية من بعض ضحايا التعذيب و جهات حكومية و ادارية مختلفة. في الأيام القادمة و بعد نشر تقرير مجلس الشيوخ أتوقع ان تتزايد الضغوط علي الادارة الامريكية لمعاقبة يوو و اخرين. لقد قامت امريكا بمواجهة نفسها بالتفاصيل عن ما حدث بعد احداث سبتمبر و كيف سمحت الدولة لنفسها باسم الحماية من الاٍرهاب بالانهيار القانوني و الاخلاقي الذي أدي الي السماح بالتعذيب و التجسس. كشفت امريكا الفضيحة الحقيقية و هي التلاعب بالتفسيرات القانونية لتبرير وسائل غير قانونية. تقرير مجلس الشيوخ يساعدنا في الوصول الي حقيقة هامة وهي ان الأمن القومي يعزز بإحترام القانون و ليس بالتلاعب عليه و ان دور الرئيس و الادارة هو الحفاظ على الدستور أولا و قبل كل شي، الدستور، نعم الدستور و الحفاظ عليه اهم من الأمن القومي! و لكن بدون عقاب صارم هل يقدم تقرير مجلس الشيوخ الردع الكافي؟


من قاموا بالتعذيب قاموا به تحت ستار قانوني كامل و لا يمكن مسألتهم قانونيا كما حدث بعد فضيحة التعذيب في سجن ابو غريب فالعراق و التي حوكم فيها كل من كان له دور في التعذيب من أفراد الجيش الامريكي . الجريمة الحقيقية في فضيحة التعذيب لل سي اي ايه او وكالة الاستخبارات المركزية كانت في ما فعل يوو من إصدار التبريرات القانونية و من المسؤلين السياسيين في إدارة بوش الذين طلبوا التبريرات و اعتمدوها رسميا. ولذا اجد نفسيي كمواطن أمريكي غير مكتفي بتقرير مجلس الشيوخ و اشعر بالقلق ان يوما ما يعود المحافظون الجدد الى الادارة الامريكية و يقوم چون يوو جديد بإصدار تبريرات مماثلة. أريد ان أري ضمان للشفافية في المستقبل ، اريد ان ارى قوانين صارمة تعتبر إصدار تفسيرات قانونية من هذا النوع بدون نشر واسع او مراقبة برلمانية جريمة، اريد ان ارى ضمانات قانونية تحمي من يعترض على العمل بمثل تلك التفسيرات اذا كانت ضد روح القانون و قيم حقوق الانسان. اعلم تماما ان  الولايات المتحدة كدولة عظمي تتحمل مسؤلية ضخمة، و لذا يتحتم على إدارة اوباما ان لا تتقاعس عن العمل مع الكونجرس في الوصول الى حل يضمن احترام إنسانية المعتقل او المسجون سواء كان داخل أراضي الولايات المتحدة او خارجها، أمريكي الجنسية او اجنبي، يتبع جيش نظامي او عضو في جماعة ارهابية او حتي سفاح فرديي. قيم امريكا و ما تتدعي انها تمثله لن تنتصر بممارسة أساليب چوزيف ستالين او أساليب داعش. خطورة ما حدث تكمن في صعوبة المسائلة القانونية لاي من الاطراف و لا يزال يوو يجادل في صواب ارائه البشعة و هنا جوهر ما يقلقني.


نعود الان و ننظر الي القراءة المصرية لتقرير مجلس الشيوخ، هل فعلا فقدت الولايات المتحدة الحق في انتقاد الغير؟ بالطبع لا، فها هي تبحث في فضائحها و تنشرها، ها هي لجنة تقصي الحقائق في مجلس الشيوخ تبحث و ستقصي و تعلن للعالم كله الفضيحة بتفاصيلها و تتناول طرق التعذيب المختلفة و حتى عدد المرات التي استخدمت فيها. هل اثبتت امريكا ان العنف المفرط و التحايل علي القانون امر مقبول لحماية المواطنين؟ بالعكس تماما، تقرير مجلس الشيوخ تطرق الي عدم جدوى التعذيب كوسيلة استخبارية و لكن الأهم من هذا هو ما أثبتته إدارة اوباما في قدرتها علي ملاحقة و قتل اسامة بن لأدن وحماية شعبها بدون استخدام تلك الوسائل الحقيرة. و كذلك نقراء الان عن كيف ساهم تعذيب ابو غريب في خلق ارهاب داعش الفظيع.


الشفافية و العلانية في امريكا تعطي الفرصة لمن يريد ان يبرر اي جريمة بقول ان ذلك يحدث في امريكا و لكني اختلف بشدة مع هذا الرأي، اوافق تماما ان المجتمع الامريكي يعاني من العنصرية و التمييز،  و لكن دعنا نتذكر ان الولايات المتحدة مرت بحرب أهلية مريرة قبل ان تتمكن من تحرير العبيد و دعنا ايضا نتذكر ان القانون في كاليفورنيا مثال الحرية و التقدم في امريكا لم يسمح بزواج ياباني من ابيض في أوائل القرن الماضي، العنصرية الممنهجة لازالت تعني ان الأطفال السود في اغلب الأحوال يحصلون علي قدر اقل من الرعاية الصحية و التعليم من المجتمع ككل، المشاكل موجودة و لكن هنالك باستمرار سعي دائم لاقرار قوانين تحارب العنصرية و التمييز و لكن المجتمع لازال يعاني من العنصرية، نجد ان في بعض الأحوال تطبيق القانون بحذافيره لا يصل بنا لإنهاء التمييز و هنا نرى فائدة الشفافية و العلانية و نجد تطبيق عقوبات اقتصادية من المجتمع ذاته على من يقوم بالتمييز و ضغوط لتغيير القوانين للوصول الى الهدف و هو بلا جدال هدف سامي و هو التخلص النهائي من العنصرية و التمييز. لن تصل الولايات المتحدة لهذا الهدف في حياتي و لكنها تقترب اليه كل يوم. دعنا نتذكر ان الولايات المتحدة انتخبت باراك حسين اوباما رئيساً مرتين حتى نكون منصفين في حكمنا علي تقدم المجتمع و قدرته على معالجة مشاكله.


كمصري كم أودّ ان نسمح لانفسنا ببعض من التواضع الحقيقي، و كم أودّ  ان اسمع يوما عن لجنة تقصي حقائق عن احداث تاريخية حتى نتعلم كشعب و نتعلم كدولة من اخطائنا، هل قمنا بتقصي حقائق حرب اليمن او نكسة ١٩٦٧ او الثغرة التي عقبت انتصارنا في حرب أكتوبر ١٩٧٣؟ لا لم نفعل  و اذا فعلنا لم ننشر فهل تعلمنا؟  ..  هل قمنا بتقصي الحقائق عن استخدام التعذيب و العنف الجنسي ضد المسجونين السياسين منذ عهد عبد الناصر؟ ماذا تعلمنا كأمة و كدولة من حركة التأميمات في الستينات؟  و ماذا عن اعتقال ما يزيد عن ألفين يهودي مصري بعد حرب ١٩٦٧ ؟ هل كان هذا خطا يجب ان نعتذر عنه؟ و الان تواجه مصر حرب شرسة ضد الاٍرهاب و هي حرب أشد خطورة من حرب امريكا ضد الاٍرهاب، هل هنالك ما نتعلمه من تقرير مجلس الشيوخ الامريكي؟ بلا جدال اعتقد ان امريكا قدمت للعالم كله مثال واضح للشفافية و الاعتراف بوجود فشل و مشاكل و انا لا اعرف طريقة لحل اي مشكلة لا تبدأ بالصراحة مع النفس.


ايمن سعيد عاشور

first appeared on Mada Masr 

Thursday, August 21, 2014

مصر تنتقد امريكا

ملاحظات سريعة علي انتقاد وزارة الخارجية المصرية للولايات المتحدة:

- ولاية ميزوري جمهورية لها دستورها و علمها و حاكمها و قانونها و لها برلمان خاص بها بمجلسيه نواب و شيوخ. 

- الولايات المتحدة تقوم على النظام الفيدرالي و الادارة الامريكية و أوباما لا يوجد لديهم اي سلطة على الشرطة في الولايات المختلفة 

- اللامركزية في امريكا تعني ان شرطة مدينة فيرجسون جزء من نظام حكم المدينة المنتخب و كذلك شرطة المحافظة county و الولاية state. و تخضع كل هذه الأجهزة لقانون و محاكم الولاية و قانون الولاية. 

- العنصرية متفشية و التمييز حقيقة و لكن رغم هذا ينجح المجتمع الامريكي في مواجهة مشاكله  الي حد كبير. احتمال نجاح رئيس اسود في الانتخابات في دول أوروبية او حتي دول مثل البرازيل ضعيف و يفوق احتمال فوز قبطي برئاسة مصر. 

- كل من  بوسطن في الستينات و لوس أنجلس في الثمانينات عانت من مشاكل عنصرية و لكن بالشفافية و مواجهة المشاكل بطرق جدية نجحت المدينتان في التحول الي نمازج حقيقية للتطور. انتخبت لوس أنجلس توم برادلي كأول عمدة  أمريكي اسود لمدينة كبيرة يشكل السود بها أقلية  و كذلك انتخبت بوسطن دوڤال باتريك  اول حاكم ولاية اسود رغم ان السود يشكلون أقلية محدودة للغاية. 

- كم أتمنى ان ارى  في مصر لامركزية امريكا و عملها في تطهير الشرطة من مشاكلها. انا متأكد تماماً ان شرطة فبرجسون ستخضع الي تغير كامل و ان الانتخابات القادمة ستطيح بعمدة فيرجسون و كل المسؤولين عن تعاملهم الكارثي مع المشكلة و لكني لا اعتقد ان مصر ستواجه مشاكل اكبر بمراحل مثل عربة الترحيلات بنفس الجدية و الشفافية التي سنراهها أمامنا في امريكا