Showing posts with label مصر. Show all posts
Showing posts with label مصر. Show all posts

Sunday, January 01, 2017

عقيدة الأمن في مصر

دعوة إلى المراجعة والتغيير
تختلف أساليب الأمن من مكان إلي آخر في العالم ففي الولايات المتحدة مثلا مستوى الأمن في الأبواب والأقفال أقل عما هو عليه في أوروبا ، وربما يعود ذلك لسهولة تداول السلاح في أمريكا مما والأقفال المؤمنة لن تصمد أمام لصوص محملين بالأسلحة النارية.
تختلف أيضا طرق مكافحة الحرائق وأنظمة السلامة  .. فبينما لدى البريطانيين رجال إطفاء يعمدون إلى حصر وإحاطة الحرائق من الخارج إلى الداخل يعمد رجال الإطفاء الأمريكيين إلى مهاجمة الحريق نفسه بملابس مضادة للحرق وأجهزة تنفس وهو ما يؤدي إلى  ارتفاع عدد القتلى من رجال الإطفاء الأمريكيين كما رأينا  أثناء أحداث 9/11 و كما نرى المآسي السنوية في حرائق الغابات الأمريكية. وفي تباين آخر نجد عقيدة الشرطة الأمريكية تعمد إلى البقاء بعيدا عن الخطر مثل ما نشاهد أثناء توجيه الأمر إلى سائق السيارة المشتبه فيه بالخروج منها واضعا يديه خلف رأسه وإلا فإنه سوف يمزق لقطع صغيره وهذا الأسلوب يؤدي إلي عديد من القتلى بلا ضرورة،
هذه الطرق المتباينة، المتعارضة لها جذور تاريخية وثقافية تتغير مع الزمن. وبالمثل فإنه فى مصر نستطيع ملاحظة أساليب معينة يمكن أن تتباين مع الطرق المتبعة في أماكن أخرى من العالم . وسوف أركز على النقاط الأساسية الآتية: التدوير والتنقلات -هيكل الورديات - خنق التجمعات -معوقات السلامه
التدوير والتنقلات
تفضل هيئات الأمن المصرية تدوير ونقل ضباطها بين أماكن ومهام مختلفة فقد يتم مثلا نقل ضابط جوازات في أسوان ليعمل في مكافحة الجريمة في الإسكندرية وقد ينقل ضابط يقوم بضبط أمن المسافرين في مطار أسيوط ليعمل في نقطة حراسة في سيناء وهكذا ..
هناك فوائد تاريخية في أن تكون قوات الأمن ملمة بمناطق مختلفة ومهام مختلفة ولكن معظم دول العالم الآن ترجح التخصص في مجالات الأمن المختلفة .. في بريطانيا مثلا تعتمد المطارات علي شركات حراسة متخصصة في حراسة المطارات وفي الولايات المتحدة، بعد أحداث 9/11 تم إنشاء هيئة حكومية متخصصة في أمن المطارات.
إن طبيعة الأخطار في هذا الزمن تحتم الاعتماد على متخصصين في كل المجالات .. ففي الولايات المتحدة وبريطانيا يختلف ضابط فحص الركاب عن ضابط فحص الجوازات .. لكل منهما تدريب مختلف وتكنولوجيا مختلفة ومهامهما ليست مجرد مأمورية تنتهي بعد فترة من الوقت حيث أن أحدهما يبحث عن خطر فوري بينما الآخر يبحث عن خطر مستقبلي.
تنظيم الورديات
خلال سفراتي في العديد من بلاد العالم من هونج كونج واليابان في إلى ألمانيا وسويسرا  في أوروبا وفي دول الشرق الأوسط مثل الإمارات والأردن لا أذكر أنني شاهدت إطلاقا مسؤول أمن في موقع حساس يشرب الشاي أو يدخن سيجارة أو يتحدث في تليفون شخصي مهما كان موقع عمله , ولكن هذه الأفعال معتادة في مصر بشكل روتيني والسبب الأساسي هو طيلة مدة الورديه بدون جدولة فترات راحة وكذلك غياب المتابعة.
وفي الحقيقة فإنه يستحيل أن تتهم مسئول أمن في اي مكان حساس بالتقصير إذا كانت مدة ورديته تمتد إلى 8 أو 12 ساعات متواصلة بينما المهمة تستلزم المراقبة الدقيقة والفحص ورد الفعل السريع وربما التدخل الفعلي لوقف خطر ما.
خنق التجمعات
يبدو أن خنق التجمعات جزء أساسي من عقيدة الأمن المصري.  نلاحظ خلق مسارات ضيقة سواء كان ذلك في نقاط تفتيش الطرق أو محطات المترو أو مداخل المباني أو المطارات وهذه المسارات الضيقة تنشئ زحاما شديدا يجعل من الصعب ملاحظة الأخطار بالوسائل الالكترونية مثل الكاميرات أو من خلال المتخصصين المدربين. من الصعب جدا في الأماكن شديدة الازدحام ملاحظة أي سلوك غير طبيعي أو يدعو للاشتباه. فكرة عنق الزجاجة تضيف أخطارا أمنية سواء تجاه رجال الأمن أو تجاه المسافرين  لأنها تسمح بإدخال أسلحة أو متفجرات مخفيه تجاه بوابات الأمن، الازدحام يعمل كحليف للإرهاب.


مثلا في الصالة رقم 3 بمطار القاهرة توجد أبواب متعددة ولكن الأمن يستخدم منهم بابا واحدا أو اثنين فقط. نرى على سبيل المثال في اليابان والسعودية  مثل مصر نقاط تفتيش للسيارات المتجهة إلى المطار ولكن في مصر تصب حارات الطريق في نقطة واحدة او نقطتين للتفتيش على عكس اليابان والسعودية حيث توجد نقطة تفتيش لكل حارة لتجنب حدوث الاختناقات ولتحقيق أهداف الأمن والسلامة معا.
معوقات السلامه
السنوات الأخيرة شهدت تقدم واسع في علوم الأمن والسلامة ومصر مثل باقي دول العالم تنفق أموال ضخمة في  نظم ومعدات معدات الأمن المتطورة ، فهناك أنظمة للكشف المبكر والإنذار عن الحرائق وأنظمة أخرى لاطفائها  ولمنع انتشار الدخان وتسهيل خروج الناس في حالات الطوارئ ويجب ملاحظة أن عدد المخارج يجب أن يكون متناسبا مع المساحات والاستخدامات المعنية .
في ميدان التحرير في قلب مدينة القاهرة يوجد مثالين لتوضيح كيف يتم التضحية بسلامة المواطنين من خلال طرق الأمن التقليدية وذلك بعمل اختناقات للتجمعات كما أوضحنا من قبل .. معظم مداخل محطة مترو السادات مغلقة بشكل دائم و يقتصر الدخول والخروج من هذه المحطة المزدحمة جدا علي عدد قليل من المداخل حيث يقوم المفتشون العاملون لورديات طويلة بتفتيش الداخلين فإذا حدث طارئ بالفعل فإن النتائج ستكون كارثية لأن معظم المخارج مغلقة تماما.
نفس المشكله موجوده في جراج التحرير الذي تم إنشائه تحت الأرض  بشكل متطور وحديث ولكن معظم مخارج النجاة مقفوله ولا يمكن فتحها من الداخل
هذان المثالان الحقيقيان يوضحان كيف أن خنق التجمعات يؤدي إلى التضحية بالسلامه بينما في الواقع لا يتم تحسين الأمن.
نظرة الي المستقبل
إن تطور أنواع وأحجام المنشآت وكذلك طبيعة  الأخطار في العالم بما فيه مصر يستدعي من السلطات المعنية تطوير أساليب التعامل مع الأمن والسلامة وإدارة الأزمات وهذا أمر عاجل وملح ليس فقط لحماية المواطنين وإنما لحماية رجال الأمن أيضا.
التعامل مع أنواع الأخطار الحديثة مثل الأعمال الانتحارية تستدعي الإقلاع التام عن أسلوب خنق وتركيز التجمعات ... المطلوب هو العكس تماما. وحيث أن مصر الآن تستثمر في شراء معدات أمنية متطورة فإنه من المحتم أيضا النظر في شئون الأفراد القائمين علي العمل .. مطلوب تخصص رجال الأمن في مهام محددة وتدريبهم على مهام تخصصاتهم وأهم شيء نظام مراقبتهم بطرق إدارية حديثة أثناء أداء أعمالهم. أخيرا أود التأكيد على أنه لا يجب التضحية بالسلامه من أجل ضمان الأمن لأن النتائج قد تكون مروعة.


أيمن سعيد عاشور





Saturday, November 19, 2016

حتمية المصالحة

في دراسة المفاوضات كطريقة لإنهاء النزاعات وتسوية الخلافات هنالك نظرية اسمها الباتنا. حروف ال BATNA  هي اختصار ل البديل الأفضل عن الحلول التي تأتي بها المفاوضات ( Best Alternative To Negotiated Agreement) . عندما نتحدث عن المصالحة في مصر يجب أن نبحث ما هي البدائل للمصالحة. البديل الأول هو الانتصار الكامل: النزاع بين الأسد و فريسته ينتهي بالانتصار الكامل؛ الأسد يحقق هدفه و الفريسة تنتهي. البديل الثاني هو استمرار النزاع بصور مختلفة ، والبديل الأخير و هو المصالحة أو التسوية.

تواجه فكرة المصالحة في مصر الرفض لعدة أسباب سمعناها مرارا:
١- لا مصالحة مع من تلوثت أيديهم بالدم
٢- لا مصالحة مع من يدخل الدين في السياسة
٣-  لا مصالحة مع من يؤيد فكر الخلافة والإسلام السياسي و لا مصداقية لهم حتى إذا ادعوا أنهم تخلوا عن هذا الفكر.

دعنا نلقي نظرة سريعة على العالم حولنا، تسوية النزاع الدموي في إيرلندا الشمالية انتهت بالتصالح بين الحكومة البريطانية مع التيارات المتطرفة من البروتستانت من ناحية والجيش الجمهوري الكاثوليكي من ناحية أخرى. منظمات لها أذرع إرهابية ارتكبت جرائم بشعة  نجحت في التصالح في ايرلندا.  في يومنا هذا ننظر إلى العمل الجاد من أجل التصالح بين حكومة كولومبيا ومنظمة الفارك الإرهابية بعد حرب استمرت خمس عقود. وفي مصر نفسها ننظر إلى نهاية الصراع مع إسرائيل بعد أربع حروب سالت فيها دماء عشرات الآلاف ودمرت المدن وشردت مئات الآلاف. فكرة المصالحة بعد الدم ليست جديدة على الإطلاق.

ننظر إلى خلط الدين بالسياسة وهنا نجد أمامنا إسرائيل والأحزاب الدينية والضغوط التي تمارسها مثل منع حافلات النقل يوم السبت ومحاولات التأثير على المجتمع داخليا و السياسة الخارجية. ثم ننظر إلى الهند و نجد حزب BJP القائم على أساس ديني وتاريخ جماعات الهندوس المتطرفة وتغيير أسماء المدن والأعياد الرسمية.  ثم ننظر إلى الولايات المتحدة و دخول المسيحيين الإنجيليين المتشددين في السياسة منذ السبعينات الى يومنا هذا؛  الدولة ذات الدستور الأكثر علمانية في التاريخ لا تصادر حق اتباع الأفكار الدينية المتشددة من المحاولة المستمرة في التأثير على السياسة و على تمرير قوانين منبعها الأساسي هو العقيدة الدينية. منع الأحزاب الدينية فكرة غريبة لا صلة لها بالديمقراطية ولا بالعلمانية!

النقطة الأخيرة وهي رفض المصالحة لان الطرف الاخر يعمل من وحي عقائدي ولن يتخلى عن أفكاره السوداء و سيستمر إلى الأبد في المحاولة لفرض ما يرى أنه المشيئة الإلهية. إذا صح هنا فمن المنطق أن نصمم على الإبادة الكاملة، السلام الذي يشعر به الأسد بعد القضاء على فريسته، هو السلام الوحيد الذي نقبله إذن. هل مصر كدولة ترغب في حلول الإبادة الجماعية؟ و إذا رغبت هل هي فعلا قادرة على تنفيذ مثل هذا الحل الدموي المرعب الرهيب؟

إسرائيل تعرقل محاولات الوصول إلى حل نهائي مع الشعب الفلسطيني لأنها نجحت في الوصول إلى باتنا. استمرار النزاع أفضل من أي حل تفاوضي.قد يستمر النزاع لعقود طويلة و لكن ثمنه مقبول لإسرائيل. لماذا تقدم إسرائيل تنازلات ترى أنها قد تعرضها للخطر في المستقبل. الاقتصاد الإسرائيلي ناجح و الدبلوماسية الإسرائيلية حققت نجاح مقبول. الفلسطينيون يحاولون تحقيق تقدم عن طريق انتزاع الباتنا من أسرائيل عن طريق الضغوط السلمية  تارة والعنف تارة أخرى وإسرائيل تعمل على أضعافهم حتى تحافظ على الباتنا. وفي هذا المثال نتحدث عن فكرة التفاوض دون التوغل في قيم العدالة والأحقية.

الإبادة النهائية ،بغض النظر عن المسؤولية الأخلاقية،  ليست متاحة كحل للنزاع مع الإسلام السياسي في مصر. استمرار النزاع لعقود طويلة غاية في الصعوبة نتيجة الثمن الاقتصادي العالي. الخلاف مع الإسلام السياسي في مصر ليس معزول في منطقة جغرافية محددة  ولا في طبقات معينة. الخلاف والاستقطاب موجود في كل مكان في مصر، الخلاف و الاستقطاب موجود حتى في الأسرة الواحدة. مصر في أمس الحاجة إلى الاستثمار المحلي والأجنبي واستمرار النزاع يهدد الاستقرار والاستثمار. عاجلا ام اجلا المصالحة مع التيار الإسلامي في مصر حتمية! و ربما اليوم مع فوز دونالد ترامب بالرئاسة الأمريكية ومع قرب نهاية داعش تجد الدولة المصرية نفسها في موقف يساعدها على الوصول إلى مصالحة من موقع أفضل من الثلاث سنوات الأخيرة.

ما هي أسس المصالحة ؟

اولا: دستور يتكفل بمبادئ حقوق الانسان طبقا لمعاهدات جنيف و الميثاق الدولي لحقوق الإنسان. و هذا الدستور قد يكون ما يسمى دستور فوقي ولا بأس من ذلك. و يتم تعديل هذا الدستور بموافقة الغالبية العظمى من المواطنين و تكون الغالبية العظمى في كل المحافظات. وعلى سبيل المثال ٧٥٪ او حتى ٩٠٪ في كل المحافظات. إذا صوتت جميع المحافظات بتعديل ما  وفي أسيوط أو جنوب سيناء وصل التصويت لصالح التعديل إلي ٦٠٪  فقط فلا يقبل التعديل.  الدور الأساسي للدستور هو حماية حقوق الأقليات من ديكتاتورية الأغلبية.


ثانيا: علاقة الدين بالدولة: يتم استبدال المادة الثانية بمواد تشير إلى المضمون المطلوب دون الاستعانة بعموم الشريعة الإسلامية. على سبيل المثال يجب وضع قوانين تسمح أو لا تسمح بتعدد الزوجات، قوانين تحدد قواعد الإرث و تسمح أو لا تسمح بالوصايا. و هذا يعني ان نصل الى فكرة قانون وضعي بالكامل بدون الحاجة الى اللجوء الى الفقيه. الإعدام يتطلب مراجعة محكمة عليا  طبقا لأسس قانونية ودستورية وليس موافقة المفتي.
 
المصالحة إذن ليست في الإصرار عن تخلي مؤيدي الاسلام السياسي او الخلافة عن أفكارهم و لكنها تكمن في التوصل إلى خارطة طريق تعطيهم بريق من الأمل، ولو محدود، في تحقيق جزء من أهدافهم بطرق سلمية مع الحفاظ على حقوق الإنسان. الدستور الأمريكي العلماني ،نظريا، يقدم اليوم للإخوان وأنصارهم طريقة ديمقراطية لتطبيق قوانين مستوحاة من الشريعة الإسلامية في أمريكا نفسها عن طريق تشريع قوانين المطابقة للدستور مع الحفاظ على علمانية الدولة. الفكرة الأساسية هي إعلاء نص القانون الوضعي المعاصر المفهوم للجميع بغض النظر عن مصدره. اليوم نجد تيارات التمييز الديني والعنصري في أمريكا تحرض بشدة ضد المسلمين، ولكن رغم قلة عدد المسلمين في أمريكا (حوالي١٪) إلا أن دستور الحريات وحقوق الإنسان يحمي هذه الأقلية الصغيرة من خطر الأغلبية و أي محاولة لتغيير الدستور تستغرق سنوات طويلة وتتطلب موافقة الأغلبية العظمى من المواطنين في كل الولايات.

إذا كان الإخوان و أنصارهم فعلا لا يؤمنون بفكرة  مصر كدولة وثقافة ووطن وشعارهم هو فعلا "طز في مصر" دعنا، رغم رفضنا الكامل لفكرهم، نرحب بهم في العملية السياسية. دعهم يقدمون مشاريع قوانين وإذا أرادوا تعديل الدستور لتقليل الحريات أو حتى لدمج مصر مع تركيا أو غيرها دعنا نقدم خريطة دستورية واضحة وشديدة الصعوبة لتحقيق غايتهم. نحن لا نملك القدرة على تغيير الأفكار و لسنا قادرون على حلول الإبادة النهائية او الاقصاء الأزلي. إذا تمكن الإخوان من الحصول على تأييد ٩٠٪ من الشعب لتغيير اسم مصر او لضمها لتركيا هل من المعقول ان لا يسمح لهم تطبيق سياسة "طز في مصر"؟

كيف نضمن الحفاظ على الدستور؟ مصر دولة ضعيفة المؤسسات و تعاني من نسبة عالية من الأمية السياسية و موروث ضخم من النزعات التمييزية والتسلطية والعصبية. هنا يأتي دور الجيش وباقي مؤسسات الدولة في الحفاظ على الدستور وفِي الحفاظ على قضاء مستقل يحكم بنصوص وضعية.

كيف نضمن الحريات؟ كيف نضمن احترام الدستور؟ هذه كلها أمور غاية في الأهمية و يجب ان تستغل الدولة التحسن في المناخ الدولي في الحصول على الضمانات التي تقلل الشك والقلق. مصر في حاجة إلى تحقيق نسب نمو اقتصادي عالية. الفقر والمعاناة والإقصاء هم  روشتة للتلاعب بعقول البسطاء وغسيل الأمخاخ. مناخ الحرية والتقدم الاقتصادي و التعليم هو أفضل طريقة لضمان الحريات وحقوق الانسان. الإبادة الجماعية مستحيلة، استمرار النزاع يَصْب في صالح من ننازع. المصالحة الاجتماعية والسياسية حتمية و الوقت المناسب هو اليوم قبل الغد.

أيمن سعيد عاشور

Monday, February 15, 2016

الشفافية و الاقتصاد و التخمين: الشفافية المفقودة في الاقتصاد المصري و فشل النظام في تسويق و بيع سياسته

غياب الديمقراطية و الشافية غاية في الوضوح في التعامل مع الأمور الاقتصادية في مصر. السياسة العليا للبنك المركزي و الدولة تجري في ظلام دامس و نحاول ان نستشف المنطق من الأفعال و القرارات ، و ما الذي يدفع الدولة الي تبني السياسات المختلفة. وضع عجيب الصراحة!

المشاكل الاقتصادية التي تواجها مصر واضحة تماما:،
- شحة الاستثمار الخارجي في مصر
- تدهور استثمارات المصريين في مصر
- انهيار السياحة في عدة دول و مصر بالذات بعد كارثة الطائرة الروسية و سفاري المكسيكيين في الصحراء.
-،تدهور سعر البترول و الاستغناء عن نسب متزايدة من العمالة الأجنبية بما فيها المصرية من دول الخليج.
-،صعوبة الحصول على منح اقتصادية من دول الخليج نتيجة العجز الاقتصادي الذي تواجه هذه الدول من انهيار سعر البترول.
- وأخيرا زيادة سعر الدولار الامريكي امام الغالبية العظمي من عملات العالم و هو بالتالي يعني زيادة قيمة الجنية المصري امام عملات مثل اليورو و الاسترليني و مختلف العملات الحرة و هو ما يضعف الوضع التنافسي للمنتجات المصرية.

تختلف الاّراء عن مسؤلية النظام المصري عن المشاكل أعلاه و لكن بغض النظر عن أسباب المشاكل فهذه المشاكل الصعبة هي الحقيقة أمامنا. في الدول الديمقراطية التي تتمتع بوجود الرأي و الرأي المعارض نجد مناظرات في البرلمان و وسائل الاعلام المختلفة و محاولات مستمرة لاقناع الشعب بالحلول المختلفة ... ولكن ليس في مصر .. هنا نجد قرارات نقدية و اقتصادية بدون عملية بيع و تسويق للأفكار و حتى العديد من اجهزة الدولة نفسها لا تعلم بأسباب القرارات. ثقافة بيع و تسويق الحلول الاقتصادية مفقودة تماما.

نستشف من الأحداث حولنا ان الاولوية لدى البنك المركزي هي الحد من التضخم. زيادة الأسعار تحدث لا محالة و لكن البنك المركزي يعمل بكل الوسائل المختلفة لمحاربة معدلات الزيادة. اذا توقف البنك المركزي عن القيود المختلفة لحماية الجنية المصرية قد نري سعر الدولار يقارب ضعف ما هو عليه الان في شهور قليلة كما حدث مع دول جنوب شرق اسيا في اخر تسعينات القرن الماضي. و هنا يمكن ان نتحدث عن نجاح نسبي و ليس مطلق. اعتقد ان صانعي القرار في البنك المركزي يعلمون تماما ان القيود المختلفة تؤثر على الصادرات و تخنق  الاستثمار الداخلي و الخارجي و لكنهم يَرَوْن ان هذا ثمن مقبول للدفاع عن الجنية المصري للحد من زيادة الأسعار.

نترك السياسة النقدية و ننظر الي السياسة الاقتصادية و هنا نجد ان الدولة وصلت الى قناعة و هي  ان غياب السياحة و الاستثمار الخارجي سيتسمر الى اجل غير مسمي. و هنا القرار الذي يبدوا ان الدولة اتخذته هو اللجوء الى المشاريع الكبري. المشاريع الكبري التي تقودها الدولة اغلبها في البنية التحتية و الهدف منها هو ضخ السيولة في الاقتصاد أولاء و ثانيا فوائد تحسين البنية التحتية عندما تعود السياحة و يعود الاستثمار. إذن ستعتمد الدولة على المشاريع الحكومية بالاساس لتحقيق قدر كافي من النمو الاقتصادي. سرعة المشاريع و ضخ السيولة غاية في الاهمية حتى لا بعود الاقتصاد الي فترة ركود مشابهة لفترة نهاية ٢٠١٣.

كيف ستقوم الدولة بتحقيق مشروعها الاقتصادي أعلاه، نصل الان الى السياسة المالية للدولة و هي تعتمد بالاساس على زيادة العجز في الميزانية و العمل على زيادة الموارد الضريبية و تقليل النفقات الحكومية الغير استثمارية مثل الدعم و الهيكل الوظيفي الضخم.

لا اعرف اذا ما توصلت اليه أعلاه هو فعلا أركان السياسة الاقتصادية التي يعتمد عليها النظام ام لا. غياب الديمقراطية و صراع الأفكار الاقتصادية بشفافية يجعلني اعتمد على التخمين حتى أتوصل الى فكر الحكومة.

لو ما كتبت أعلاه فعلا حقيقيا يبدو ان هنالك تقدم محدود، الاحتياطي النقدي في زيادة محدودة للشهر الرابع على التوالي، الاقتصاد لا يزال في نمو مستمر رغم انخفاض معدلات النمو بعد ان كانت على وشك الوصول الى ٥٪.

الكارثة ان الدولة لا تصارح الشعب و تتعامل معه بابوية و سلطوية و لذا يتعرض النظام الى هجوم مستمر في سياسته الاقتصادية. الكارثة ايضا ان معظم وزرات الدولة و اجهزتها مثلها مثل الشعب، تجهل الخطة الاقتصادية و لذا، على سبيل المثال، نجد محاولات دفاع مستميتة عن جدوى مشروع قناة السويس في ذاته. الأرقام لا تكذب على مستوي المايكرو او المشروع نفسه لم توجد مبررات اقتصادية كافية للمشروع و حتى اذا كان المشروع من الممكن ان يحقق جدوي اقتصادية اذا تم عمله بسعر منخفض و على فترة طويلة تتناسب مع الاحتياجات الفعلية له. و لكن الحقيقة ان المشروع نجح على مستوى الماكرو اذا كان هذا هو الهدف فعلا:،تحريك الاقتصاد من الركود و رفع معدلات النمو الاقتصادي. التطبيل الفارغ اساء و لم يساند.

رئيس الوزراء، مجموعته الاقتصادية و المالية و البنك المركزي يتحدثون مع البنك الدولي و صندوق النقد و مع المسؤلين في الدول المختلفة و لكن كلهم صامتون تماما عن اي مصارحة اقتصادية مع الشعب نفسه و حتى مع باقي زملائهم في الحكومة. صمت كارثي يجعل النظام باستمرار في وضع الدفاع عن نفسه و سياساته.

طبعا هنالك احتمال ان قرأتي للسياسة النقدية و الاقتصادية و المالية أعلاه يكون خاطئ تمام وان الصورة المتناسقة التي قدمتها أعلاه هي خيال من دماغي و هنا تكون الكارثة اكبر.  

أيمن سعيد عاشور

نشرت هذه المقالة في موقع زائد ١٨

Tuesday, February 09, 2016

التعذيب و محور الشر

تتفشى ثقافة العنف في مصر. العنف موجود في التعامل مع الأطفال في البيت والشارع والمدرسة والملعب، العنف موجود في المظاهرات السلمية وغير السلمية.. العنف موجود في أفلامنا وأغانينا، لكن رغم تغلل العنف في المجتمع، هنالك رفض واسع  لممارسته من قبل الدولة. التعذيب كان ولا يزال من أكبر أسباب غضب الشعب المصري، وربما كانت سلخانة التعذيب في ليلة الاتحادية  ٥ ديسمبر ٢٠١٢ هي نقطة التحول الأهم والمحرك الأكبر في انقلاب الشعب المصري على الإخوان المسلمين ونظامهم.
اصدق أن هنالك رغبة حقيقية من النظام المصري  للتخلص  أو على الأقل الحد من التعذيب والعنف في تعامل الشرطة وأجهزة الأمن مع المواطنين.. اتذكر حديث وزير الداخلية، منذ أكثر من عامين قبل توليه منصبه، في برنامج تلفزيوني عن دورات تدريب تقوم بها الوزارة عن حقوق الإنسان، تحدث باستفاضة وباستخدام ألفاظ علمية حديثة عن برامج كان يقودها عندئذ كمساعد لوزير الداخلية.. التخلص من التعذيب يعني تغييرا واسعا في منظومة ضخمة تحتكر قانونيا آليات العنف في ومن مجتمع يستعمل ويقبل العنف: النجاح في إحداث التغيير المطلوب يتطلب الكثير.
فكرة التغيير والنجاح في التغيير غاية في الأهمية في إدارة الأعمال، توجد كورسات عن إدارة التغيير change management وكتابات عديدة عن فكرة التغيير نفسها.
في مادة دمج وشراء الشركات التي أقوم بتدريسها منذ سنوات، جزء عن  التغيير وآلياته والعقبات التي يواجها من يسعى له.. مقاومة التغيير تشكل أحد أهم الأسباب لفشل مشاريع دمج شركات، ونرى أمامنا أمثلة عديدة: فشل دمج شركة كرايزلر الأمريكية مع  شركة  دايملر بنز الألمانية، ومثال آخر شهير في التكنولوجيا والإعلام  لشركتين أمريكتين، وهما إيه أو إل AOL وشركة تايم وارنر.
“التغير هو كإزالة شريط بلاستر لازق على جلد الإنسان، حدث صعب ومؤلم.. بطيء ومؤلم أو سريع ومؤلم” هذا المثال هو أحد الكليشهات حول صعوبة التغيير، يعبر بدقة عن طبيعة البشر.. التغيير صعب ومؤلم كإزالة البلاستر: change is painful, fast and painful or slow and painful. بعد استخدام جورج بوش لتعبير محور الشر أو Axis of evil ابتدعت استخدام التعبير ذاته لشرح طرق مقاومة التغيير وكيفية التعامل معها لطلابي.. يتكون محور الشر كما أقدمه من ثلاث نقاط:
أولا: لا يعلمون:
هنالك البعض قادرون على التغيير، ولكنهم لا يعلمون أن التغيير حقيقة مطلوبة وأن هنالك حاجة جادة للتغيير.. يقاومون التغيير لأنهم لم يصدقوا أو يفهموا أنه فعلا مطلوب.
ثانيا: لا يقدرون:
وهنالك البعض يعلم أن التغيير مطلوب، ولكنهم غير قادرون على التغيير، ربما يحتاجون إلى مهارات مختلفة أو أدوات جديدة.. يتشبثون بالطرق المعتادة لإنجاز أعمالهم ولا يعرفون طرقا أخرى لتحقيق ما هو مطلوب منهم.
ثالثا وأخيرا: لا يقبلون:
هولاء هم الرافضون عن علم وعن قدرة، يعلمون برغبة روسائهم في التغيير وقادرون على التغيير واستعمال طرق أخرى لتحقيق المطلوب منهم، لكنهم يرفضون التغيير.. الأسباب تتفاوت من خوف من فقد النفوذ إلى اختلاف مبدئي يرفض الأسباب والمنطق الذي يدعو إلى التغيير من الأصل.
التعامل مع الثلاث نقاط أعلاه غاية في الأهمية لإحداث وتفعيل التغيير المطلوب.. من لا يعلم نخبره بحتمية التغيير ونحاول أن نصل إليه عقليا بالأسباب التي تجعلنا نطلب التغيير.. من لا يقدر نقوم بتدريبه وتعليمه ونقدم له الآليات المطلوبة لتفعيل التغيير المطلوب، وأخيرا من لا يريد هو الأسهل، هذا نتخلص منه.. البعض لا يريد لأنه لا يعلم أسباب التغيير، وهذا قمنا بعلاجه في النقطة الأولى، والبعض لا يريد لأن لديه قناعة بداخله أنه لن يتمكن من القيام بدوره، وهنا النقطة الثانية وهي التعليم والآليات البديلة، ويتبقى في النقطة الأخيرة من لا يريد ويرفض التغيير مبدئيا، هؤلاء هم أعداء التغيير ولا جدوى في المحاولة معهم بغض النظر عن أسبابهم.
القضاء على التعذيب هو تغيير منهجي واسع يتطلب التعامل الجاد مع الثلاث نقاط.. الدورات التدريبية على حقوق الإنسان والعقوبات ضد ممارسي التعذيب أمور غاية في الأهمية، لكنها ليست كافية، وجود آليات وإمكانيات وأدوات للتحري والتحقيق جزء مهم من محاربة النقطة الثانية. يمكن للرئاسة والبرلمان تقديم مساعدة مهمة للقضاء على التعذيب، وهي تتمثل في التشريع بقانون يلغي القبول بالاعتراف على النفس كدليل، وهو ما نجده في معظم قوانين العالم المتقدم، وإلى أن يقوم المشرع بدوره، من الممكن أن تقوم الشرطة والنيابة بتعديل قواعدهما الداخلية لمنح الأفضلية في الترقيات لمن لم يتعامل مع اعترافات على النفس أو الغير بدون دليل مادي.. الاعتراف ما هو إلا جزء من الأسباب، اقدمه هنا كمثال.
التغيير ليس أمرا سهلا أو بسيطا، ويتطلب الاعتراف بعمق المشكلة وأسبابها وظواهرها وكل النقاط على محور الشر، وربما تبدأ الداخلية بكليات ومعاهد الشرطة المختلفة والتعامل مع العقاب البدني فيها.

 أيمن سعيد عاشور

نشرت هذه المقالة على موقع زائد ١٨ 

Sunday, January 31, 2016

٢٥ يناير ١٩٥٢

شاهدت فيلم تسيجيلي بريطاني عن ما يسمونه البريطانيين حرب السويس و ما نسميه في مصر العدوان الثلاتي او حرب ١٩٥٦. شمل الفيلم فقرات مطولة عن تاريخ قناة السويس و النزاع بين مصر و بريطانيا على مر السنين. احتوي الفيلم على فقرة مطولة عن ٢٥ يناير ١٩٥٢ و المعركة اللتي دارت بين الجيش البريطاني المسيطر على منطقة قناة السويس و الشرطة المصرية التي كانت متمركزة في مبني مديرية الأمن او مبنى محافظة الإسماعيلية. الإنجليز حاصروا المبني و دارت حرب شعواء بين الطرفين استمرت حوالي ٢٤ ساعة انتهت بانتصار الإنجليز و قتل عدد ضخم من رجال الشرطة المصرية و القبض على عدد اكبر  منهم. من ضمن المشاهد التي أتذكرها في الفيلم انتصاب البريجادير البريطاني المنتصر لتحية ضابط الشرطة المصري الاقل رتبة كنوع من الاحترام لبسالته و قيادته البطولية لرجاله. رد ضابط الشرطة المصري التحية العسكرية. ضابط الشرطة المصري نفسه ظهر في الفيلم التسجيلي يسرد القصة بالكامل بلغة انجليزية ممتازة.


اصرار الضابط المصري على عدم اخلاء المبني بدأ تطبيقا لاوامر صدرت إليه من قيادته و من فؤاد سراج الدين وزير الداخلية نفسه و على ما اتذكر بعد بداية المعركة انقطع الاتصال التليفوني تماما بالمبني. قتل في هذه المعركة ما يزيد عن الخمسين من رجال الشرطة المصرية قبل الاستسلام في النهاية، و طبعا الاستسلام او الفناء النهائي كان امر محتوم. الجيش البريطاني كان يقوم بدور الجيش المصري في هذه المنطقة. هذا إذن كان صراع كامل بين الشرطة و الجيش المسؤلين عن هذه المنطقة. لم يكن هنالك احتمال او امكانية لوصول اي مساعدات او إمدادات للشرطة في الإسماعيلية، كانوا منعزلين تماما عن العالم و في حالة حرب مع الجيش البريطاني بكامل قوته و قدراته و معسكراته و قدرته على الحصول على دعم إضافي و معدات و دبابات الخ.


الدور الذي لعبته الشرطة في ذلك اليوم كان دورا وطنيا و لكنه لم يكن عمل من اعمال الشرطة المعتادة. بطولة الشرطة المصرية في ذلك اليوم كانت في اداء عمل عسكري، الدخول في حرب مع الجيش البريطاني و رفض الانصياع لرغبة الجيش البريطاني الموجود على الاراضي المصرية بقوة القانون المصري و الدولي طبقا لمعاهدة ١٩٣٦ التي أعطت مهمة حماية و تأمين قناة السويس و المناطق المحيطة بها للجيش البريطاني. إلغاء النحاس باشا لمعاهدة ١٩٣٦ قبلها بأشهر لم تقبله بريطانيا لان المعاهدة كانت تنص على المراجعة في عام ١٩٥٦، بعد مرور ٢٠ عام على تطبيقها. الالغاء من طرف واحد كان خروج عن بنود المعاهدة و بنود المعاهدة كانت تنص على التحكيم امام عصبة الامم (الامم المتجدة لاحقا) و لكن رغم الموقف القانوني الشائك وقفت الحكومة و الشرطة المصرية مع الرغبة الشعبية.


اختيار يوم هذه الواقعة بالذات كيوم عيد للشرطة يحيرني و تدور أفكار مختلفة في عقلي عن هذه الواقعة ... هل كان تطبيق الأوامر و التضحية بحياة العديد من رجال الشرطة عمل صائب؟ لم يكن الانتصار على الجيش ممكن و في النهاية استسلم الضابط و باقي رجاله و قبض عليهم من قبل الجيش البريطاني المتواجد في تلك المنطقة "قانونيا". بلا جدال الدور الذي لعبته الشرطة ذلك اليوم كان دور وطني باسل و لكنه لم يكن عمل شرطي او بوليسي بل كان عمل حربي عسكري. الرغبة الشعبية العامة في هذه الحقبة كانت مع إنهاء التواجد البريطاني العسكري في مصر و الصراع  بين المصريين و الجيش البريطاني شمل استقالات و إضرابات و مظاهرات و تفجيرات. حكومة النحاس كانت منحازة لاي عمل ضد القوات البريطانية و اتهمت بريطانيا الشرطة المصرية بالتواطئ مع الفدائيين. هل من قرر اختيار ٢٥ يناير عيد للشرطة اخذ في اعتباره عسكرية الشرطة، مواجهتها للسلطة العسكرية الرسمية و انحيازها للرغبة الشعبية و التعليمات من الحكومة بتجاهل الوضع القانوني المعقد؟


تعاقبت الأحداث و ووصلت الإضرابات الي القاهرة في اليوم التالي ٢٦ يناير ١٩٥٢ و بعد مقتل و أسر رجال الشرطة في مذبحة الإسماعيلية جلس قادة الشرطة و الجيش المصري مع الملك فاروق في قصره احتفالا بعيد ميلاد و لي العهد ... و احترقت  القاهرة!  أقال الملك فاروق وزارة النحاس باشا و بعد ايام و في شهر فبراير افرج الجيش البريطاني على اسرى الشرطة. اجهل الكثير من احداث تلك الايام و اعادة كتابة تاريخ ما قبل حركة الضباط الاحرار في الحقبة الناصرية يضع امامنا العديد من الاسئلة بلا اجابات واضحة.


أيمن سعيد عاشور

نشرت لاول مرة علي موقع زائد ١٨

Wednesday, January 13, 2016

عن الاتهامات بالكلمة إياها

كلمة pandering بالانجليزية تستخدم أساسا في السياسة. اللعب على عواطف مجموعة معينة او على تحيزاتها المسبقة.  دونالد ترمب مثال ممتاز لتطبيق مثل هذا التلاعب، بيستغل كراهية الغير، كراهية اي مختلف و يلعب عليها. احيانا بيكون فاهم كويس ان كلامه بكش او غير قابل للتطبيق و لكنه بيستمر فيه لانه بيحقق النتيجة اللي هو عايزها. في هذه المرحلة، هدف ترمب الرئيسي هو الفوز في الانتخابات الأولية داخل الحزب الجمهوري. ترمب لا يتحدي أفكار مؤيديه و لكنه بيحتويهم و يعبر عنهم و بيحاول الوصول الى اكبر نسبة من التأييد و يستمر في الحركة الى أقصى اليمين الامريكي لاستيعابه في حملته الانتخابية. 

ال pandering يستخدمه خصوم ترمب في الحزب الجمهوري و ايضا يستخدمه مرشحون الحزب الديمقراطي. و هنا نجد هيلاري كلينتون تواجه حملة بيرني ساندرز من يسار الحزب بالتحرك اكثر الي اليسار و الحديث عن دور اكبر للحكومة في مساعدة محدودي الدخل و حماية الصناعات الامريكية من الواردات الأجنبية. هيلاري كلينتون المرشحة تنتقد اتفاقات تجارية لعبت هي نفسها دور رئيسي في الوصول اليها كوزيرة خارجية أمريكا! 

الأصل اللغوي لكلمة pandering يرجع الي استعمالها في الدعارة و القواد هو من كان يقوم بال pandering و يسمي panderer. تطورت اللغة الانجليزية و تركت المعنى الاصلي تماما و تحول تعريف الظاهرة الي نوع من النفاق السياسي و التمحك في  ما تطلبه مجموعة ما بغض النظر عن الصحة و الحقيقة و الأخلاق او حتى قابلية التطبيق. الpandering  جزء من العملية السياسية في الديمقراطية. 

الظاهرة  في الأساس  هي صفة سلبية تحمل في معناها الخداع لتحقيق المصلحة، الموافقة على الغلط للحصول على الشعبية و القبول. العملية السياسية في اي مكان تتطلب وجود قدر من هذه الظاهرة. في ثقافة "مطلوب زعيم" التي تبحث عن المثالية لا نجد مقابل لكلمة pandering بالعربي او بالمصرية  الدارجة. المقابل الوحيد هو لفظ سباب. ولكن في الحقيقة لا وجود للديمقراطية و السياسة بدون هذه الظاهرة. 

دعنا ننظر الي ممثلي الشعب في اي برلمان و نتسائل هل دور نواب الشعب التعبير عن ارائهم الشخصية و لا التعبير عن آراء الناخبين  الذين أرسلوهم  لتمثيلهم؟ .هنالك تباين في الاّراء ... راي يقول اذا كان الانسان عبر بصدق عن نفسه و تم انتخابه ممثلا للشعب فمن حقه ان يتصرف كا يشاء و يتخذ المواقف التي يمليها عليه ضميره. راي معاكس يقول ان النائب يتحتم عليه التصويت كممثل للناس التي أرسلته بغض النظر عن ضميره او آراءه الشخصية. 

 بلا جدال هنالك أمثلة لا تتعد و لا تحصى لهذه الظاهرة من مؤيدي النظام المصري و لكني ايضا اجد امثله عديدة من التيارات الثورية. البعض يتلاعب بالعصبية و كراهية اليهود في الهجوم على النظام و إظهاره كنظام خاين و غير وطني. البعض يستغل الدين و هنا اتحدث عن تيارات ليبرالية و لست اتحدث عن الاخوان.  

اخيرا هذا البوست لغوي و ليس سياسي. غرضي الوحيد منه هو الحصول على مرادف مقبول لكلمة pandering و قبول الظاهرة كتطور طبيعي في تحول المجتمع الي مجتمع مسيس. الpandering جزء من السياسة و يوما ما في المستقبل قد نجد الكلمة إياها تستخدم في الاتهامات السياسية و التحليلات الإخبارية. الهدف الاخر من المقال قبول فكرة ان السياسي المثالي غير موجودة خارج الأديان، و ان كل إنسان في موقع قيادي حتى اذا كانت قيادة آراء و التأثير عليها يمارس نوع من تغيير المواقف للحصول على القبول. 

Sunday, January 10, 2016

عن الشركات الناشئة في مصر و الشرق الأوسط

بدأت نشاطي في المساهمة مع حركة الشركات والمشاريع الشبابية الجديدة في مصر منذ حوالي أربع سنوات بالتطوع في Flat6 Labs فلات سيكس لابس كمساند أو ناصح للشركات الصغيرة في أولى مراحلها. شمل دوري مقابلات فعلية مع الشركة أثناء زياراتي إلى مصر ومكالمة شهرية عن طريق سكايب. الخمس شركات التي قمت بالتطوع معها كانت في أنشطة مختلفة من السينما إلى النشر والتسويق وشركات تكنولوجيا ابتكارية وشركة تكنولوجيا تطبيقية. تابعت هذه الشركات عن قرب منذ نشأتها وتكونت علاقات صداقة مع مؤسسيها.. الجدية والمثابرة والرغبة في النجاح والإصرار الذي رأيتهم في هؤلاء الشباب كانت نقطة تحول هامة في رؤيتي لمصر، رأيت بلدا قادرا على إنتاج شباب خلّاق، حالم وواقعي معا وقادر على التعبير عن نفسه بصور عصرية.


هذه التجربة شجعتني لزيادة نشاطي والالتحاق كعضو في كايرو أنچيلس  Cairo Angels . يستخدم تعبير الأنچيل أو الملاك لوصف أوائل المستثمرين في الشركات الحديثة. أكره كلمة أنچيلس لأنها تعطي الانطباع أن المستثمر يقوم بعمل خيري ولكنها ليست كذلك.. الأنچيلس يستثمرون مبالغ محدودة في العديد من الشركات بغرض الربح من هذه الاستثمارات. في معظم الأحوال يبتديء صاحب المشروع بمدخراته هو أو بقروض وهبات من أسرته وأحيانا يحتاج إلى استثمار خارجي وهنا يأتي دور الإنچيلس. في نظر صاحب المشروع المستثمر الغريب عنه الذي يؤمن بمشروعه وبه ويقرر استثمار ٥٠ ألف أو ١٠٠ ألف جنية في مشروعه، بل ويساعده على إقناع مستثمرين آخرين حتى يصل حجم الاستثمار إلى نصف مليون أو مليون أو ٢ مليون جنيه فعلا ملاك بالنسبة له أو لها في هذه المرحلة. أودّ ان أشارك انطباعاتي عن المناخ العام للشركات الحديثة النشأة أو الـ ecosystem بعد حضوري المنتدى السنوي الثاني RiseUp Summit وقرابة عام في مشاركتي في الكايرو أنجيلس. كتبت عن انطباعاتي الإيجابية من قبل ولذا سأركز هنا على انتقادات ونقاط ضعف. لأن في رأيي معالجة نقاط الضعف غاية في الأهمية للاستمرار في التقدم والنمو.


اللغة:لغتي الانجليزية أفضل بمراحل من لغتي العربية، لكن عندما أتحدث مع أصحاب المشاريع أريد أن أعرف أكثر من هم، أريد أن أسمعهم باللهجة المصرية المعتادة حتى إذا كانت لغتهم الإنجليزية ممتازة. في معظم الأحيان تغيير اللغة يشمل تغيير ثقافة وتوقعات، ولكني أبحث عن الدخول في دماغ هذه الإنسانة أو هذا الإنسان واللغة الأجنبية تشكل طبقة إضافية يجب أن نعبرها. اللغة الإنجليزية هامة جدا وإتقان أعداد ضخمة من المصريين والعرب للغات أجنبية ميزة هامة في التنافس العالمي، لكن يجب أن يكون مناخنا هنا في مصر مناخا مصريا وليس كاليفورنيا.. اعلم تماما أن الترجمة الفورية تشكل عبئا ماليا ضخما، ولا انصح به في الـ RiseUp  لكن ربما فتح المجال لجلسات باللغات العربية الدارجة سيكون أفضل للجميع. كان من حظي أن استمع إلى مقدمة من صاحب مشروع للنشر الذاتي باللغة العربية “كتبنا” في اليوم السابق للـRiseUp  في جلسة لـ Cairo Angels. سألنا الشاب إذا كان التقديم بالعربي مقبولا؟ وقلنا نعم، اختر ما تشاء.. رغم تمكنه من الإنجليزية، لكن شتان بين الثقة التي تحدث بها بالمصرية الدارجة والتقديم الرسمي بالإنجليزية.


دعنا نكون في كاليفورنيا عام ١٩٦٠ أو مصر عام ٢٠١٥!نشأة وتطور بيئة الشركات الحديثة مرت بمراحل عديدة في السيليكون فالي إلى أن وصلت إلى ما هي عليه اليوم. تطور الشركات من مراحل التمويل الذاتي إلى مرحلة تمويل الملائكة إلى ما يسمى Series A أو مرحلة A وبعدها B و C ، ثم تصل الشركة إلى البورصة أو تباع. عندما اتحدث مع صاحب مشروع ويبدأ بالحديث عن series A وتوقعاته لها، تزداد درجة انتباهي واشعر بنوع من الحذر. الحقيقة أن المناخ في مصر مختلف تماما عن المناخ في كاليفورنيا ورغم النشاط المحدود لشركات venture capital أو الاستثمار الأولي إلا أن الغالبية العظمى من المشروعات الحديثة يتحتم عليها الوصول إلى تحقيق سيولة إيجابية أو cash flow positive بعد مرحلة الانچيلس. في أمريكا وبريطانيا وألمانيا الصورة مختلفة، ولكن حتى ألمانيا التى بدأت متاخرة في تكوين startup ecosystem الشركات الحديثة تعمل بطريقة مناسبة بعالمها وأكثر حذّرا من ما اشاهده في كثير من الأحيان بمصر.


تقييم الشركات:أقوم بتدريس مادة شراء ودمج الشركات في جامعة سافولك في بوسطن منذ ٢٠٠٤ رغم أنني لست أكاديميا، لكن نتيجة خبرتي في شراء عدد يقارب الثلاثمائة شركة لشركات عملت بها، أو أدرتها أو أسستها. وربما يصل رقم الشركات التي تفاوضت معها ولم تتم الصفقة إلى أكثر من الألف.. ارتكبت أخطاء فادحة على مر السنين وتعلمت منها، لكن بشكل عام تكون لدي نوع من التوازن في استخدام طرق تجمع بين الفن والعلم لتقييم الشركات. أتحدث مع العديد من الشباب في مصر وأجد لديهم إما جهل تام بموضوع تقييم الشركات أو فكر مسبق عن تقييم أو تسعير شركاتهم كما لو كانوا في بالوالتو او منلو بارك في سليكون ڤالي في كاليفورنيا.. في بداية النشاط في مصر حدثت بعض التقيمات الخاطئة وهذا حدث قاتل في السوق. أصحاب المشاريع ينظرون إلى السعر الذي أخذه فلان أو علان ويصبح ذلك هو هدفهم.. كارثة!


يتحدث البعض عن استعمال الـ (DCF) Discount Cash Flow كطريقة للتقييم وهي طريقة مثالية، ولكن كما نقول في أمريكا garbage in garbage out بمعنى إذا كانت المعطيات خاطئة فستكون النتيجة أيضا خاطئة.. معطيات الـ DCF وهي طريقة حسابية لتقييم الشركات بناء على السيولة النقدية التي تستهلكها وتنتجها في المستقبل.. الافتراضات المبالغة في الأرباح وفي التوقيت وبطء حركة السوق المصري كلها أسباب للأخطاء وتكون من أهم النقاط الفائدة الافتراضية. توقعات هبوط الجنيه المصري في المستقبل مع معدلات التضخم ونسبة المخاطرة في الاقتصاد قد تدعونا إلى استخدام فائدة افتراضية تتراوح بين الـ ٤٠ و ٦٠٪ على حسب طبيعة المشروع والمنافسة. والـ DCF بالطبع ليس هو الطريقة الوحيدة للتقييم وفي العديد من الأحوال في الشركات الحديثة يشمل نوع من التنجيم.


الالفاظ: نقطة أخيرة وأقل أهمية وتشابة النقطة الأولى، وهي استخدام كلمات السباب بالإنجليزية. بدأت حياتي في أمريكا في مشاريع أنظمة أمن في سجون وقواعد عسكرية ومن يعرفني معرفة وثيقة يعلم تماما أنني من كبار مستخدمي الألفاظ المختلفة بعدة لغات، يعني من الآخر بالنسبة لي عادي تماما، لكن لكل مقام مقال.. عندما كنت اقدم شركتي في وول ستريت وشركات الاستثمار الكبرى والموتمرات الاستثمارية المختلفة، لا وجود إطلاقا لألفاظ خارجة، غير مقبول وغير معتاد. وفي مؤتمرات الـ startup في العديد من الأماكن في أمريكا نفسها خالية تماما من الألفاظ. لكن RiseUp استخدم طريقة بعض المؤتمرات التي تستخدم الألفاظ كجزء من خلع الرسمية وإدخال مناخ عفوي ريلاكسد ومنسجم وبعيد من التكاليف. هذا المناخ مناسب لي شخصيا، ولكنني لاحظت أن تاثيره كان سلبيا للغاية على العديد من المشاركين ومن الجمهور. المناخ أو البيئة ecosystem المصرية أو العربية يجب في رأيي أن تتأثر بكاليفورنيا وهي المعلم والمؤثر الأكبر وأيضا المستثمر، لكن يتحتم علينا العمل على خلق مناخ مناسب لنا في مصر والدول الناطقة بالعربية، وهذا المناخ يجب أن يرحب بمتحدثي العربية مستثمرين كانوا أو أصحاب مشاريع ويجب أن لا يصدمهم ويشعرهم أن الموضوع كله أجانب أو مصريون عاملين نفسهم أجانب. 


أكتب هذه الكلمات بروح النقد البناء، بروح المحب الذي يرغب في المساهمة والمساعدة.. عندما ذهبت إلى الإسكندرية لزيارة المكتب الجديد لشركة كريبتيد للبرمجيات Cryptyd  وهي أحدث استثمار لـ Cairo Angeles وقابلت الفريق وشاهدت بعض التفاصيل في عملية تطوير ألعاب الموبايل وثقتهم بأنفسهم وحبهم لعملهم، شعرت أنني محظوظ لأنني قادر على المساهمة في تحقيق هذه الأحلام، ولكني شعرت بامتنان عميق لرواد بناء هذا المناخ في مصر.


أيمن سعيد عاشور


نشر هذا المقال اولا في زائد ١٨.