Showing posts with label الارهاب. Show all posts
Showing posts with label الارهاب. Show all posts

Saturday, November 19, 2016

حتمية المصالحة

في دراسة المفاوضات كطريقة لإنهاء النزاعات وتسوية الخلافات هنالك نظرية اسمها الباتنا. حروف ال BATNA  هي اختصار ل البديل الأفضل عن الحلول التي تأتي بها المفاوضات ( Best Alternative To Negotiated Agreement) . عندما نتحدث عن المصالحة في مصر يجب أن نبحث ما هي البدائل للمصالحة. البديل الأول هو الانتصار الكامل: النزاع بين الأسد و فريسته ينتهي بالانتصار الكامل؛ الأسد يحقق هدفه و الفريسة تنتهي. البديل الثاني هو استمرار النزاع بصور مختلفة ، والبديل الأخير و هو المصالحة أو التسوية.

تواجه فكرة المصالحة في مصر الرفض لعدة أسباب سمعناها مرارا:
١- لا مصالحة مع من تلوثت أيديهم بالدم
٢- لا مصالحة مع من يدخل الدين في السياسة
٣-  لا مصالحة مع من يؤيد فكر الخلافة والإسلام السياسي و لا مصداقية لهم حتى إذا ادعوا أنهم تخلوا عن هذا الفكر.

دعنا نلقي نظرة سريعة على العالم حولنا، تسوية النزاع الدموي في إيرلندا الشمالية انتهت بالتصالح بين الحكومة البريطانية مع التيارات المتطرفة من البروتستانت من ناحية والجيش الجمهوري الكاثوليكي من ناحية أخرى. منظمات لها أذرع إرهابية ارتكبت جرائم بشعة  نجحت في التصالح في ايرلندا.  في يومنا هذا ننظر إلى العمل الجاد من أجل التصالح بين حكومة كولومبيا ومنظمة الفارك الإرهابية بعد حرب استمرت خمس عقود. وفي مصر نفسها ننظر إلى نهاية الصراع مع إسرائيل بعد أربع حروب سالت فيها دماء عشرات الآلاف ودمرت المدن وشردت مئات الآلاف. فكرة المصالحة بعد الدم ليست جديدة على الإطلاق.

ننظر إلى خلط الدين بالسياسة وهنا نجد أمامنا إسرائيل والأحزاب الدينية والضغوط التي تمارسها مثل منع حافلات النقل يوم السبت ومحاولات التأثير على المجتمع داخليا و السياسة الخارجية. ثم ننظر إلى الهند و نجد حزب BJP القائم على أساس ديني وتاريخ جماعات الهندوس المتطرفة وتغيير أسماء المدن والأعياد الرسمية.  ثم ننظر إلى الولايات المتحدة و دخول المسيحيين الإنجيليين المتشددين في السياسة منذ السبعينات الى يومنا هذا؛  الدولة ذات الدستور الأكثر علمانية في التاريخ لا تصادر حق اتباع الأفكار الدينية المتشددة من المحاولة المستمرة في التأثير على السياسة و على تمرير قوانين منبعها الأساسي هو العقيدة الدينية. منع الأحزاب الدينية فكرة غريبة لا صلة لها بالديمقراطية ولا بالعلمانية!

النقطة الأخيرة وهي رفض المصالحة لان الطرف الاخر يعمل من وحي عقائدي ولن يتخلى عن أفكاره السوداء و سيستمر إلى الأبد في المحاولة لفرض ما يرى أنه المشيئة الإلهية. إذا صح هنا فمن المنطق أن نصمم على الإبادة الكاملة، السلام الذي يشعر به الأسد بعد القضاء على فريسته، هو السلام الوحيد الذي نقبله إذن. هل مصر كدولة ترغب في حلول الإبادة الجماعية؟ و إذا رغبت هل هي فعلا قادرة على تنفيذ مثل هذا الحل الدموي المرعب الرهيب؟

إسرائيل تعرقل محاولات الوصول إلى حل نهائي مع الشعب الفلسطيني لأنها نجحت في الوصول إلى باتنا. استمرار النزاع أفضل من أي حل تفاوضي.قد يستمر النزاع لعقود طويلة و لكن ثمنه مقبول لإسرائيل. لماذا تقدم إسرائيل تنازلات ترى أنها قد تعرضها للخطر في المستقبل. الاقتصاد الإسرائيلي ناجح و الدبلوماسية الإسرائيلية حققت نجاح مقبول. الفلسطينيون يحاولون تحقيق تقدم عن طريق انتزاع الباتنا من أسرائيل عن طريق الضغوط السلمية  تارة والعنف تارة أخرى وإسرائيل تعمل على أضعافهم حتى تحافظ على الباتنا. وفي هذا المثال نتحدث عن فكرة التفاوض دون التوغل في قيم العدالة والأحقية.

الإبادة النهائية ،بغض النظر عن المسؤولية الأخلاقية،  ليست متاحة كحل للنزاع مع الإسلام السياسي في مصر. استمرار النزاع لعقود طويلة غاية في الصعوبة نتيجة الثمن الاقتصادي العالي. الخلاف مع الإسلام السياسي في مصر ليس معزول في منطقة جغرافية محددة  ولا في طبقات معينة. الخلاف والاستقطاب موجود في كل مكان في مصر، الخلاف و الاستقطاب موجود حتى في الأسرة الواحدة. مصر في أمس الحاجة إلى الاستثمار المحلي والأجنبي واستمرار النزاع يهدد الاستقرار والاستثمار. عاجلا ام اجلا المصالحة مع التيار الإسلامي في مصر حتمية! و ربما اليوم مع فوز دونالد ترامب بالرئاسة الأمريكية ومع قرب نهاية داعش تجد الدولة المصرية نفسها في موقف يساعدها على الوصول إلى مصالحة من موقع أفضل من الثلاث سنوات الأخيرة.

ما هي أسس المصالحة ؟

اولا: دستور يتكفل بمبادئ حقوق الانسان طبقا لمعاهدات جنيف و الميثاق الدولي لحقوق الإنسان. و هذا الدستور قد يكون ما يسمى دستور فوقي ولا بأس من ذلك. و يتم تعديل هذا الدستور بموافقة الغالبية العظمى من المواطنين و تكون الغالبية العظمى في كل المحافظات. وعلى سبيل المثال ٧٥٪ او حتى ٩٠٪ في كل المحافظات. إذا صوتت جميع المحافظات بتعديل ما  وفي أسيوط أو جنوب سيناء وصل التصويت لصالح التعديل إلي ٦٠٪  فقط فلا يقبل التعديل.  الدور الأساسي للدستور هو حماية حقوق الأقليات من ديكتاتورية الأغلبية.


ثانيا: علاقة الدين بالدولة: يتم استبدال المادة الثانية بمواد تشير إلى المضمون المطلوب دون الاستعانة بعموم الشريعة الإسلامية. على سبيل المثال يجب وضع قوانين تسمح أو لا تسمح بتعدد الزوجات، قوانين تحدد قواعد الإرث و تسمح أو لا تسمح بالوصايا. و هذا يعني ان نصل الى فكرة قانون وضعي بالكامل بدون الحاجة الى اللجوء الى الفقيه. الإعدام يتطلب مراجعة محكمة عليا  طبقا لأسس قانونية ودستورية وليس موافقة المفتي.
 
المصالحة إذن ليست في الإصرار عن تخلي مؤيدي الاسلام السياسي او الخلافة عن أفكارهم و لكنها تكمن في التوصل إلى خارطة طريق تعطيهم بريق من الأمل، ولو محدود، في تحقيق جزء من أهدافهم بطرق سلمية مع الحفاظ على حقوق الإنسان. الدستور الأمريكي العلماني ،نظريا، يقدم اليوم للإخوان وأنصارهم طريقة ديمقراطية لتطبيق قوانين مستوحاة من الشريعة الإسلامية في أمريكا نفسها عن طريق تشريع قوانين المطابقة للدستور مع الحفاظ على علمانية الدولة. الفكرة الأساسية هي إعلاء نص القانون الوضعي المعاصر المفهوم للجميع بغض النظر عن مصدره. اليوم نجد تيارات التمييز الديني والعنصري في أمريكا تحرض بشدة ضد المسلمين، ولكن رغم قلة عدد المسلمين في أمريكا (حوالي١٪) إلا أن دستور الحريات وحقوق الإنسان يحمي هذه الأقلية الصغيرة من خطر الأغلبية و أي محاولة لتغيير الدستور تستغرق سنوات طويلة وتتطلب موافقة الأغلبية العظمى من المواطنين في كل الولايات.

إذا كان الإخوان و أنصارهم فعلا لا يؤمنون بفكرة  مصر كدولة وثقافة ووطن وشعارهم هو فعلا "طز في مصر" دعنا، رغم رفضنا الكامل لفكرهم، نرحب بهم في العملية السياسية. دعهم يقدمون مشاريع قوانين وإذا أرادوا تعديل الدستور لتقليل الحريات أو حتى لدمج مصر مع تركيا أو غيرها دعنا نقدم خريطة دستورية واضحة وشديدة الصعوبة لتحقيق غايتهم. نحن لا نملك القدرة على تغيير الأفكار و لسنا قادرون على حلول الإبادة النهائية او الاقصاء الأزلي. إذا تمكن الإخوان من الحصول على تأييد ٩٠٪ من الشعب لتغيير اسم مصر او لضمها لتركيا هل من المعقول ان لا يسمح لهم تطبيق سياسة "طز في مصر"؟

كيف نضمن الحفاظ على الدستور؟ مصر دولة ضعيفة المؤسسات و تعاني من نسبة عالية من الأمية السياسية و موروث ضخم من النزعات التمييزية والتسلطية والعصبية. هنا يأتي دور الجيش وباقي مؤسسات الدولة في الحفاظ على الدستور وفِي الحفاظ على قضاء مستقل يحكم بنصوص وضعية.

كيف نضمن الحريات؟ كيف نضمن احترام الدستور؟ هذه كلها أمور غاية في الأهمية و يجب ان تستغل الدولة التحسن في المناخ الدولي في الحصول على الضمانات التي تقلل الشك والقلق. مصر في حاجة إلى تحقيق نسب نمو اقتصادي عالية. الفقر والمعاناة والإقصاء هم  روشتة للتلاعب بعقول البسطاء وغسيل الأمخاخ. مناخ الحرية والتقدم الاقتصادي و التعليم هو أفضل طريقة لضمان الحريات وحقوق الانسان. الإبادة الجماعية مستحيلة، استمرار النزاع يَصْب في صالح من ننازع. المصالحة الاجتماعية والسياسية حتمية و الوقت المناسب هو اليوم قبل الغد.

أيمن سعيد عاشور

Saturday, January 10, 2015

انا شارلي

لن اتحدث عن رأيي في رسومات كارتون شارلي لان محتوى المجلة لا يهمني. لست مرغم على شراءها او التطلع الي موقعها علي الانترنت فهي و محتواها امر لا يعنيني. لا يعنيني ما تقول مجلة ساخرة علي ديني، دعهم يسخرون حتى كفايتهم و اكثر، ديني و عقائدي لا تتاثر بمثل تلك الرسومات. رسوماتهم لا تغضبني على الإطلاق، رد فعلي الوحيد لها هو اللامبالة. ديني و عقيدتي لا يشوهم شارلي و لكن من يشوهم هم الارهابيون الذين ارتكبوا المذبحة في باريس و المهللون لهم و المدافعون عنهم، هؤلاء هم من يشوهون ديني و يغضبونني. 

عندما قامت حملة إعلانات مسيئة للمسلمين في مترو نيويورك كان لدي شعور مختلف تماما، و قامت المصرية الامريكية الشجاعة منى الطحاوي برش لوحات الدعاية المسيئة بدهان باللون البمبي و خالفت القانون و ألقي القبض عليها. مترو نيويورك مرفق عام يتحتم علي الآلاف من المسلمين يوميا استعماله و المرور امام تلك اللوحات الحقيرة. لا مفر و لا اختيار و لا طريقة لتجنب روؤية تلك اللوحات و هنا تتعارض حقوق التعبير في حقي ان لا اتعرض لتلك الاهانات. و كان اختيار منى الطحاوي للدهان البمبي نوع من السخرية باستعمال لون يرمز الي الحركات النسوية، لون يبعد عن اي رمز للعنف.  و ووقفت وحيدة امام سلطة القانون و الشرطة بحقيبة يدها الأنيقة و زجاجة الدهان البمبي لتعلن المعارضة و العصيان المدني للقانون و لإدارة المترو و كل من سمح بعرض الإعلانات. العنصرية و الكراهية لم تنتهي في امريكا و خاضت الطحاوي صراعا في المحاكم  و ظلت على موقفها الصلب. الآلاف من الأمريكيين من غير المسلمين تضامنوا مع الطهاوي، و العديد منهم شارك في حملات العصيان المدني ضد الدعاية المسيئة، المعركة مستمرة و لكن أعطت منى الطهاوي مثال عظيم في مجابهة الاساءة.

نترك فرنسا و الولايات المتحدة و ننظر الي ما يسمى بازدراء الأديان في مصر .. و الأديان في مصر تعني فقط الاسلام السني الأزهري و المسيحية الأورثوذكسية القبطية. ازدراء الشيعة و البهائية مكفول قانونا و ازدراء اليهود و الإشارة لهم بالأنجاس و الخنازير نطالعه يوميا رغم ان اليهودية مشمولة في قوانين ازدراء الأديان. و لكني ساكتفي الان  بالحديث عن الاسلام السني المصري و المسيحية القبطية الأورثوذكسية. المسيحية تعتمد بالأساس علي ما يسمى بالخلاص، من يؤمن بصلب المسيح و معاناته من اجل البشرية سيشمله الرب برعاية و محبة و مغفرة. كل كلمة في الجملة السابقة مرفوضة في الاسلام تماما. تصور المسيحية لدي المسلمين في مصر هو لدين اخر يختلف تماما عن ما يؤمن به المسيحيون ... الا يعد ذلك نوع من عدم الاحترام للاخر و ربما نوع من الازدراء؟ "لا ما اتصلبش خالص و الإنجيل متحور" الا تعد تلك الجملة ازدراء للعقيدة المسيحية كما يؤمن بها المسيحيون؟  كذلك المسيحيون لا يؤمنون برسالة محمد و لا الاسلام و حتي من يتقبل منهم نبوية محمد يعني بكلمة نبي رجل صالح او مبارك و ليس رسول من الله. الإيمان باي من العقيدتين يشمل ضمنيا رفض الآخري ... هل هنالك ازدراء في الرفض؟ 

نعود الي الغرب بشكل عام و فرنسا بوجه خاص، ونلقي نظرة على عقيدة اخرى مختلفة عن الاسلام و المسيحية، عقيدة علمانية الدولة و القانون. نجد الإيمان بتلك العقيدة إيمان حقيقي و عميق، فها هو رسّام مجلة شارلي يعلن انه كان مستعد ان يدفع بحياته ثمن الدفاع عن حريته في التعبير و السخرية من الأديان. نجد أمامنا عدة عقائد كل منها في الحقيقة رافضا للاخر تماما. و هنا نصل الي فكرة حتمية التعايش مع الاختلاف و قبول الاخر.  المساجد في فرنسا و دروس الدين تتحدث عن الكافرين و الملحدين بازدراء، الا يحق لهم الحديث في محافلهم الخاصة عن المسيحين و المسلمين و رفضهم لمبادئهم. كيف نطلب من الأغلبية الفرنسية الغير مسلمة السماح للإسلام بازدراء و رفض الأديان الآخري و لا نعطي نفس الحق للاغلبية. 

العديد من المسلمين الذين شجبوا المذبحة الإرهابية رفضوا المشاركة في حملة "انا شارلي" التي قامت للتضامن مع ضحايا مجلة شارلي، رفضوا لأنهم يرفضون محتوي المجلة، منهم من يرفض حقها في النشر و منهم من يقبل حقها في النشر و لكن في الحالتين رفضوا ان يقولوا "انا شارلي". هذا الرفض هو رفض لحرية العقيدة و لحرية كل عقيدة في رفض العقائد الآخري و التعبير عن نفسها. عندما ارفض شارلي فأنا ايضا ارفض حقي في ان اقول ان المسيح لم يصلب و انه لم يظهر لبولس و اني ارفض فكرة الخلاص. 

"انا شارلي" لأَنِّي ارغب في الحفاظ على عقيدتي كما أراها انا و في حقي انا في رفض العقائد الآخري. "انا شارلي" لأَنِّي مع الحق في التعبير و حقي في تجاهل و عدم المشاركة في تعبير ارفضه. "انا شارلي" لان شارلي له الحق يقول ما شاء في مجلاته الخاصة و لدي انا الحق ان اعتقد ما اريد و اقول ما اريد في مسجدي. "انا شارلي" لان عقيدتي انا ان رسامي شارلي و شجاعتهم  و وقوفهم مع المظلوم اقرب لعقيدتي من السفاحين القتلة. 


ايمن سعيد عاشور

first appeared on Mada Masr 

Monday, April 22, 2013

ماراثون بوسطن


بوسطن مدينتي و بيتي، قضيت فيها أطول فترة من عمري ورغم انتقالي للحياة  في أوروبا في ٢٠٠٩ لازالت بوسطن كما نقول بالانجليزية : "My home town" . كنت في رحلة عمل في استراليا في ذلك اليوم الحزين ، يوم الاعتداء الجبان على الماراثون في بوسطن. الإحساس كان كأن  اقرب الناس اللي قد تعرض الي فاجعة أو كارثة. و ربما وجودي في مكان بعيد عن أسرتي وعن بوسطن وفارق التوقيت وقلة النوم كانوا عوامل زادت من مشاعري بالصدمة والحزن العميق. مصدري الأساسي للأخبار هو تويتر وعندما نتابع أنباء وتطورات من هذا النوع بسرعة شبكات التواصل الاجتماعي الإحساس بالتوتر والقلق يتضاعف.

الغالبية العظمى من التغريدات كانت من شبكات الأنباء العالمية و صحف ومصادر إعلامية من بوسطن نفسها والعديد من المتعاطفين مع ضحايا المذبحة يعبرون عن مشاعرهم تجاه الصدمة وغضبهم وخوفهم. نسبة محدودة من التغريدات كانت تحتج علي اهتمام العالم ببوسطن على حساب أحداث أكثر بشاعة. لفت نظري بالأخص تغريدة من شاب مصري فيها نوع من التهكم عن النفس وكانت بمعنى أن المصريون لا يجرون إلا للهروب من كلب أو للحاق باوتوبيس أو حافلة نقل. وكانت تغريدة الشاذلي هي اول تغريدة قابلتها تحتوي على نوع من المزح ورغم أنها كانت تهكم على النفس 
.إلا أنها زادت من حزني واغضبتني

للأسف الشديد نسبة عالية من الشباب المصريين يدمنون التدخين وأقلية محدودة تمارس أي نوع من الرياضة وهذا التعميم انطبق علي أنا أيضا حتى أوائل الثلاثينات من عمري. بعد توقفي عن التدخين بفترة قصيرة بدأت رياضة الجري وبعدها بفترة انتقلت مع أسرتي إلى بوسطن. وبعد عدة سنوات من الجري مرة أو مرتين كل أسبوع حدث شئ هام في حياتي لاذلت اتزكرة بوضوح. كان يوم عيد الوطنية أو بالأحرى عيد المواطنة وهو يوم ذكرى حادث هام في بدء الثورة الأمريكية وهو إجازة رسمية في ولاية ماستشيوستس وعاصمتها بوسطن ولكنه يوم عمل عادي لدي الأغلبية العظمي من الأمريكيين. و تحتفل بوسطن بهذا العيد يوم الاثنين في شهر أبريل من كل عام في وقت متقارب مع أعياد الفصح، وينطلق سباق الماراثون في منتصف اليوم كل عام في عيد المواطنة. وفي عام ١٩٩٧ كانت هناك احتفالات عديدة بالذكرى المئوية الأولى لسباق البوسطن ماراثون و سمح لعدد قياسي من العدايين بالمشاركة. وكانت هذا اليوم اول مرة اذهب لمشاهدة سباق الماراثون حيث يمر طريق الماراثون بالقرب من بيتي. مسافة الماراثون ٢٦.٢ ميل أو ٤٢ كيلومتر ومنزلي يقع قريب من الكيلومتر ال ٢٩. وجدت الطريق مغلق تماماً للسيارات و أعداد غفيرة من الناس في انتظار السباق، وجدت كل جيراني تقريبا، أطفال و كبار والعديد من خارج المنطقة حضروا للفرجة. كارنيفال أو مهراجان في الشارع في انتظار وصول المشاركين في السباق.

وفجأة زادت الحركة ومرت عدة سيارات شرطة و بعدئذ سمعت تصفيق حاد ومرة سيارة مفتوحة بها شيخ في الثمانينات وهو جون كيلي الذي شارك في البوسطن ماراثون ٦١ مرة ويعتبر رمز لهذا السباق. بعد دقائق وصلت اول مرحلة من السباق وهم ذو الاحتيجات الخاصة على مقاعدهم، الرجال ثم النساء بعدهم. يصعب وصف الإصرار على وجوة هؤلاء المتسابقون. و بعد تقريبا نصف ساعة الحدث الرئيسي وصول اسرع عدائي الرجال و بعدهم بحوالي ربع ساعة النساء. ولا ينقطع مرور العدايين رجال و نساء. الكارنيفال في الشارع لا يهدأ ، تشجيع لأشخاص بعينهم أو للجميع، تقديم ماء أو مشروبات طاقة ، المدينة كلها في الشارع تحتفل بالماراثون بعد شتاء بوسطن الطويل. تركت الصخب وعدت الي بيتي لتناول طعام الغذاء وبعض مكالمات العمل حيث أنة كان يوم عمل طبيعي في أمريكا خارج الولاية. وبعد ساعتين تقريبا عدت الي طريق الماراثون ، انخفض عدد المتفرجون نوعا ما ولكن جو الكارنيفال لازال موجود و استمرت أعداد المشتركون في السباق، اقل سرعة و أحيانا أكبر عمرا أو وزنا من الأوائل، كنت أشاهد ناس مجهدة، بعضهم كان يجري في الم واضح وبعضهم كان يعاني من أنواع الشد العضلي وآخرون كانوا يعانوا من احتكاك الجلد وفي بعض الأحيان رأيت دم على ملابسهم وملح ناشف على وجوههم. بعضهم كتب أسمائهم على ملابسهم فكان التفرجون يصيحون تأييدا لهم بالاسم وآخرون كتبوا على ملابسهم أسباب مشاركتهم في السباق من أحياء ذكرى قريب أو حبيب إلى جمع تبرعات لعمل خيري الي العديد من الأسباب المختلفة.


وقفت أكثر من ساعة اشجع و بالتدريج قل عدد المتفرجون والمشاركون وقاربت الساعة الخامسة وقل العدد اكثر وفتحت الشرطة نصف الطريق. كنت أتخيل أن عدد من المشركين لن يتمكنوا من الوصول الي النهاية والآخرين قد يصلوا بعد حلول الظلام ولكني كنت أشجعهم و ابتسم لهم واصفق أحيانا، ما اشجع هؤلاء الناس وما أقوى عزيمتهم وإصرارهم٠ كنت على مدى السنوات السابقة أمارس رياضة الجري ولكن لمسافات قصيرة لا تتجاوز عدة كيلومترات ولكن يومها عقدت العزم .على جري الماراثون و تصورت أنة من الممكن أن أشارك في البوسطن ماراثون بعد سنتين

ثابرت في التدريب وكنت استيقظ قبل الفجر لأتمكن من الجري قبل العمل وكنت اجري ٥ أو ٦ مرات في الأسبوع و كانت ظروف عملي تستدعي سفري المتواصل فكنت اجري في أماكن عديدة وبلاد كثيرة من هونج كونج والصين الي الهند و سينغافورة ومن اليابان واستراليا الي بريطانيا وهولندا. وطبعا كنت اجري في طريق الماراثون لقربة من بيتي وحتي يزيد مراني على نفس مسار الماراثون. مناخ بوسطن في الشتاء شديد البرودة ولكن لم يمنعني برد قارص أو ثلج أو مطر أو حتى حر الهند من المثابرة على التمرين، كنت أتذكر نظرات الألم والمثابرة التى رايتها في البوسطن الماراثون السابق وارى نفسي في الماراثون. شاركت في سباق النصف ماراثون في فبراير في مدينة قريبة من بوسطن وسباق آخر بطول ٢٠ ميل في جو شديد البرودة على ساحل المحيط الاطلنطي وقبل السباق بثلاثة أسابيع بدأت تدريجيا إقلال التدريب كما كانت تنصح كتب رياضة الجري وكتيبات التدريب التي وصلتني بعد تسجيلي البوسطن ماراثون عام ١٩٩٨.

وأخيرا يوم الماراثون، استيقظت مبكرآ وذهبت مع زوجتي إلى مدينة هوبكينتون ١٨ ميلا غرب منزلي وهي نقطة بداية الماراثون. مدينة أو بالأصح ضاحية صغيرة بدت مكتظة بآلاف المشتركين في السباق. كان الجو بارد بعض الشئ ولايجود مكان للجلوس إلا في منتصف الشارع و حوالي الساعة التاسعة تم إغلاق معظم الشوارع للسيارات، ومضى الوقت بطيأ ومع اقتراب الساعة ١١ ظهرت مشكلة عدم كفاية دورات المياة المتنقلة وكانت الطوابير طويلة للغاية٠ سلمت حقيبة صغيرة عليها رقمي وبها احتيجاتي الي المسؤولين لاستلامها بعد خط النهاية وذهبت للانتظار في مكانى في الخلف. كنت أتوقع إكمال الماراثون في حوالي اربع ساعات ونصف على الأقل٠ سمعنا صوت إقلاع المعاقون أو ذوي الاحتياجات الخاصة كما نطلق عليهم في أمريكا احتراما لقدراتهم الفذة ونجاهم في تحقيق الكثير من الإنجازات ولو بطرق مختلفة نسبيا. وفي تمام الثانية عشر سمعنا طلقة مسدس بداية الماراثون و صفق الكثير وسمعنا صرخات السعادة ولكن لم نتحرك بعد. وأخيرا بدأت الحركة ببطآ شديد و أخيرا وبعد خمس عشر دقائق عبرت خط البداية و بعد خمس دقائق أخرى تمكنت من بدء الجري لكن بحرص نتيجة الزحام الشديد وبعد دقائق محدودة فتح الطريق، اخيرآ.


لايمكن أن اوصف شعوري بسهولة في تلك اللحظات أو بالأحرى اول ساعة، كان هناك نوع من النشوة ولكن بالأكثر كنت اشعر بالخوف، كنت أخشى أن لا انجح في إكمال الماراثون أو أن أعاني مشاكل من عضلات أو تنفس أو أي مشاكل أخرى. كان يجب إلا اسرع في البداية حتى لا افقد قدرتي على المثابرة الي الآخر. النصف الأول من الطريق في انحدار مستمر مما يشجع على زيادة السرعة ولكنة أيضاً يزيد الحمل على الرجلين ويؤثر سلبيا على العضلات. الجماهير تحوط بالطريق تشجعنا و تصفق لنا ونصل الي كلية وليزلي  وهي تعد من اشهر الكليات النسائية في أمريكا و ههنا يبدأ مايعرف بحارة الصريخ حيث يضيق الطريق لزيادة عدد المشجعات و نعامل كأبطال وللأسف تزيد السرعة رغم استمرار الطريق في الانحدار. و اقترب من منطقتي بعد اكثر من ثلاثة ساعات ، منطقة التلال في مدينة نيوتن، منطقة الصعود، هذة منطقتي التى اعرفها جيدآ٠ وها أنا اقترب من بيتي واسمع ابنتي ثم ابني يصيحان باسمي وجيراني وأولادهم. أحيي الجميع واستمر واعاني من مغص في معدتي والإحساس بالبرد ولكن استمر. وتنتهي مرحلة الصعود ونصل الي كلية بوسطن وأصوات الموسيقي الصاخبة. آخر ثلاثة أميال صعبة، طريق عريض والرياح قوية قادمة من المحيط في مواجهتنا باردة ، وأحس بالضعف والبرد ولكني مطمئن أني ساكون قادر على إتمام الماراثون. وبعد ثلاثة أميال مملة ينعطف طريق الماراثون الي اليمين ثم الي اليسار علي شارع بويلستون ويقرب خط النهاية بالقرب من مكتبة بوسطن. واعبر خط النهاية..... لقد أكملت الماراثون ويتقدم اللي شاب ليضع ميدالية إكمال الماراثون حول عنقي وفتاة تطلب مني أن تحصل الميكروتشيب المربوط بحذاءي والذي يثبت إكمالي لجميع المراحل. قامت هي بفك الحذاء وأخذ الميكروتشيب. ارتعش واجد صعوبة في المشي واحصل علي حقيبتي مقابل الإيصال.


شاهدت أسرتي الحبيبة قبل عبور خط النهاية على يسار شارع بويلستون ولكن لا أتذكر حضورهم معي لاستلام اغراضي، اعتقد أني دخلت خيمة كبيرة للمشاركون في السباق فقط وحاولت أن أتجنب البرد بعض الشئ واشرب سوائل لتعويض بدني عما فقدته. لقد كسبت السباق وحصلت على الميدالية، لقد أكملت الماراثون بعد عام واحد من وقفتي كمتفرج. وكنت انظر حولي واري الكثيرين وفي عيونهم دموع من الفرح ومن الأم العضلات واحيانا من المجهود والتعب. كلنا كنا من الفائزين رغم أن اول من عبر خط النهاية سبقنا بأكثر من ساعتين ونصف ساعة. قربة العشرون ألف متسابق أكملوا الماراثون وكل شخص منا له قصة خاصة بة دفعته للمشاركة و للتدريب، حكايات وحكاوي من كل رجل وامرأة من أصغر شابة في العشرين من عمرها الي من فوق السبعين. وكما كانت أسرتي الصغيرة تعيش حلمي في إكمال الماراثون وتتباع خطوات تدريبي وتؤيد نئ وتقلق علي، كان لهؤلاء الآلاف احباءهم وأقربهم يؤيدهم ويتابعون حكايتهم.

اهتمام بوسطن بالماراثون يعود الي أنة اقدم ماراثون في العالم ولانة يوم إجازة خاص بنا دون عن أمريكا ككل وعن أنة يوافق نهاية الشتاء القارص و اول يوم في إجازات الربيع للمدارس ولكن اهم شئ هو القصص والحكايات التي تدعوا الآلاف إلى المشاركة في السباق والجو العائلي الجميل على طول ممر الماراثون من هوبكينتون إلى خط النهاية بجوار مكتبة بوسطن المركزية. يوم الماراثون في بوسطن يوم احتفال بقدرة الإنسان العادي على تغيير نفسة على تحقيق إمالة علي الانتصار على ضعفة على ادمانة...يوم تحقيق آمال عديدة، آمال إيجابية خالصة ، لا تشمل كراهية أو سلبية ... يوم احتفال اجتماعي كبير واحتفالية بالإنسانية و بقدرتنا كبشر على المثابرة وإخضاع أجسادنا لتحقيق أهداف شريفة ونقية.

كتب الكثيرون عن الاعتداء القاصي الجبان على الماراثون و شجب الجميع قتل الأبرياء ولكن لم يتفهم الكثير من الناس الشعور بالصدمة و مدى الحزن والغضب الذي حل ببوسطن بالأخص وأمريكا والغرب بشكل عام. حاولت في هذا المقال أن اقدم ما يعني البوسطن ماراثون لي كمصري أمريكي ، كمواطن من أهل بوسطن. ولقد أكملت الماراثون في بوسطن بعد هذه التجربة الأولى مرتين وكان لكل مرة حكاية وقصص وأسباب. و الآلاف الذين شاركوا في السباق وأهلهم واحبابهم كلهم لهم قصصهم و الأكثر من مليون مشاهد من اول الماراثون في هوبكينتون إلى خط النهاية حضرو للاحتفال والبهجة وللاحتفالية بقدرة الله عز وجل على خلق الإنسان وتكوينه و هبتة القدرة علي تسخير جسدة وعقلة لإنجاز الصعب. القنابل والإرهاب والدم هي في الحقيقة ليست تحدي لبوسطن أو لأمريكا و لكن تحدي للإنسانية بما يشمل ذلك من تحدى إلى الخالق الجبار

ايمن عاشور