Showing posts with label حقوق الانسان. Show all posts
Showing posts with label حقوق الانسان. Show all posts

Saturday, November 19, 2016

حتمية المصالحة

في دراسة المفاوضات كطريقة لإنهاء النزاعات وتسوية الخلافات هنالك نظرية اسمها الباتنا. حروف ال BATNA  هي اختصار ل البديل الأفضل عن الحلول التي تأتي بها المفاوضات ( Best Alternative To Negotiated Agreement) . عندما نتحدث عن المصالحة في مصر يجب أن نبحث ما هي البدائل للمصالحة. البديل الأول هو الانتصار الكامل: النزاع بين الأسد و فريسته ينتهي بالانتصار الكامل؛ الأسد يحقق هدفه و الفريسة تنتهي. البديل الثاني هو استمرار النزاع بصور مختلفة ، والبديل الأخير و هو المصالحة أو التسوية.

تواجه فكرة المصالحة في مصر الرفض لعدة أسباب سمعناها مرارا:
١- لا مصالحة مع من تلوثت أيديهم بالدم
٢- لا مصالحة مع من يدخل الدين في السياسة
٣-  لا مصالحة مع من يؤيد فكر الخلافة والإسلام السياسي و لا مصداقية لهم حتى إذا ادعوا أنهم تخلوا عن هذا الفكر.

دعنا نلقي نظرة سريعة على العالم حولنا، تسوية النزاع الدموي في إيرلندا الشمالية انتهت بالتصالح بين الحكومة البريطانية مع التيارات المتطرفة من البروتستانت من ناحية والجيش الجمهوري الكاثوليكي من ناحية أخرى. منظمات لها أذرع إرهابية ارتكبت جرائم بشعة  نجحت في التصالح في ايرلندا.  في يومنا هذا ننظر إلى العمل الجاد من أجل التصالح بين حكومة كولومبيا ومنظمة الفارك الإرهابية بعد حرب استمرت خمس عقود. وفي مصر نفسها ننظر إلى نهاية الصراع مع إسرائيل بعد أربع حروب سالت فيها دماء عشرات الآلاف ودمرت المدن وشردت مئات الآلاف. فكرة المصالحة بعد الدم ليست جديدة على الإطلاق.

ننظر إلى خلط الدين بالسياسة وهنا نجد أمامنا إسرائيل والأحزاب الدينية والضغوط التي تمارسها مثل منع حافلات النقل يوم السبت ومحاولات التأثير على المجتمع داخليا و السياسة الخارجية. ثم ننظر إلى الهند و نجد حزب BJP القائم على أساس ديني وتاريخ جماعات الهندوس المتطرفة وتغيير أسماء المدن والأعياد الرسمية.  ثم ننظر إلى الولايات المتحدة و دخول المسيحيين الإنجيليين المتشددين في السياسة منذ السبعينات الى يومنا هذا؛  الدولة ذات الدستور الأكثر علمانية في التاريخ لا تصادر حق اتباع الأفكار الدينية المتشددة من المحاولة المستمرة في التأثير على السياسة و على تمرير قوانين منبعها الأساسي هو العقيدة الدينية. منع الأحزاب الدينية فكرة غريبة لا صلة لها بالديمقراطية ولا بالعلمانية!

النقطة الأخيرة وهي رفض المصالحة لان الطرف الاخر يعمل من وحي عقائدي ولن يتخلى عن أفكاره السوداء و سيستمر إلى الأبد في المحاولة لفرض ما يرى أنه المشيئة الإلهية. إذا صح هنا فمن المنطق أن نصمم على الإبادة الكاملة، السلام الذي يشعر به الأسد بعد القضاء على فريسته، هو السلام الوحيد الذي نقبله إذن. هل مصر كدولة ترغب في حلول الإبادة الجماعية؟ و إذا رغبت هل هي فعلا قادرة على تنفيذ مثل هذا الحل الدموي المرعب الرهيب؟

إسرائيل تعرقل محاولات الوصول إلى حل نهائي مع الشعب الفلسطيني لأنها نجحت في الوصول إلى باتنا. استمرار النزاع أفضل من أي حل تفاوضي.قد يستمر النزاع لعقود طويلة و لكن ثمنه مقبول لإسرائيل. لماذا تقدم إسرائيل تنازلات ترى أنها قد تعرضها للخطر في المستقبل. الاقتصاد الإسرائيلي ناجح و الدبلوماسية الإسرائيلية حققت نجاح مقبول. الفلسطينيون يحاولون تحقيق تقدم عن طريق انتزاع الباتنا من أسرائيل عن طريق الضغوط السلمية  تارة والعنف تارة أخرى وإسرائيل تعمل على أضعافهم حتى تحافظ على الباتنا. وفي هذا المثال نتحدث عن فكرة التفاوض دون التوغل في قيم العدالة والأحقية.

الإبادة النهائية ،بغض النظر عن المسؤولية الأخلاقية،  ليست متاحة كحل للنزاع مع الإسلام السياسي في مصر. استمرار النزاع لعقود طويلة غاية في الصعوبة نتيجة الثمن الاقتصادي العالي. الخلاف مع الإسلام السياسي في مصر ليس معزول في منطقة جغرافية محددة  ولا في طبقات معينة. الخلاف والاستقطاب موجود في كل مكان في مصر، الخلاف و الاستقطاب موجود حتى في الأسرة الواحدة. مصر في أمس الحاجة إلى الاستثمار المحلي والأجنبي واستمرار النزاع يهدد الاستقرار والاستثمار. عاجلا ام اجلا المصالحة مع التيار الإسلامي في مصر حتمية! و ربما اليوم مع فوز دونالد ترامب بالرئاسة الأمريكية ومع قرب نهاية داعش تجد الدولة المصرية نفسها في موقف يساعدها على الوصول إلى مصالحة من موقع أفضل من الثلاث سنوات الأخيرة.

ما هي أسس المصالحة ؟

اولا: دستور يتكفل بمبادئ حقوق الانسان طبقا لمعاهدات جنيف و الميثاق الدولي لحقوق الإنسان. و هذا الدستور قد يكون ما يسمى دستور فوقي ولا بأس من ذلك. و يتم تعديل هذا الدستور بموافقة الغالبية العظمى من المواطنين و تكون الغالبية العظمى في كل المحافظات. وعلى سبيل المثال ٧٥٪ او حتى ٩٠٪ في كل المحافظات. إذا صوتت جميع المحافظات بتعديل ما  وفي أسيوط أو جنوب سيناء وصل التصويت لصالح التعديل إلي ٦٠٪  فقط فلا يقبل التعديل.  الدور الأساسي للدستور هو حماية حقوق الأقليات من ديكتاتورية الأغلبية.


ثانيا: علاقة الدين بالدولة: يتم استبدال المادة الثانية بمواد تشير إلى المضمون المطلوب دون الاستعانة بعموم الشريعة الإسلامية. على سبيل المثال يجب وضع قوانين تسمح أو لا تسمح بتعدد الزوجات، قوانين تحدد قواعد الإرث و تسمح أو لا تسمح بالوصايا. و هذا يعني ان نصل الى فكرة قانون وضعي بالكامل بدون الحاجة الى اللجوء الى الفقيه. الإعدام يتطلب مراجعة محكمة عليا  طبقا لأسس قانونية ودستورية وليس موافقة المفتي.
 
المصالحة إذن ليست في الإصرار عن تخلي مؤيدي الاسلام السياسي او الخلافة عن أفكارهم و لكنها تكمن في التوصل إلى خارطة طريق تعطيهم بريق من الأمل، ولو محدود، في تحقيق جزء من أهدافهم بطرق سلمية مع الحفاظ على حقوق الإنسان. الدستور الأمريكي العلماني ،نظريا، يقدم اليوم للإخوان وأنصارهم طريقة ديمقراطية لتطبيق قوانين مستوحاة من الشريعة الإسلامية في أمريكا نفسها عن طريق تشريع قوانين المطابقة للدستور مع الحفاظ على علمانية الدولة. الفكرة الأساسية هي إعلاء نص القانون الوضعي المعاصر المفهوم للجميع بغض النظر عن مصدره. اليوم نجد تيارات التمييز الديني والعنصري في أمريكا تحرض بشدة ضد المسلمين، ولكن رغم قلة عدد المسلمين في أمريكا (حوالي١٪) إلا أن دستور الحريات وحقوق الإنسان يحمي هذه الأقلية الصغيرة من خطر الأغلبية و أي محاولة لتغيير الدستور تستغرق سنوات طويلة وتتطلب موافقة الأغلبية العظمى من المواطنين في كل الولايات.

إذا كان الإخوان و أنصارهم فعلا لا يؤمنون بفكرة  مصر كدولة وثقافة ووطن وشعارهم هو فعلا "طز في مصر" دعنا، رغم رفضنا الكامل لفكرهم، نرحب بهم في العملية السياسية. دعهم يقدمون مشاريع قوانين وإذا أرادوا تعديل الدستور لتقليل الحريات أو حتى لدمج مصر مع تركيا أو غيرها دعنا نقدم خريطة دستورية واضحة وشديدة الصعوبة لتحقيق غايتهم. نحن لا نملك القدرة على تغيير الأفكار و لسنا قادرون على حلول الإبادة النهائية او الاقصاء الأزلي. إذا تمكن الإخوان من الحصول على تأييد ٩٠٪ من الشعب لتغيير اسم مصر او لضمها لتركيا هل من المعقول ان لا يسمح لهم تطبيق سياسة "طز في مصر"؟

كيف نضمن الحفاظ على الدستور؟ مصر دولة ضعيفة المؤسسات و تعاني من نسبة عالية من الأمية السياسية و موروث ضخم من النزعات التمييزية والتسلطية والعصبية. هنا يأتي دور الجيش وباقي مؤسسات الدولة في الحفاظ على الدستور وفِي الحفاظ على قضاء مستقل يحكم بنصوص وضعية.

كيف نضمن الحريات؟ كيف نضمن احترام الدستور؟ هذه كلها أمور غاية في الأهمية و يجب ان تستغل الدولة التحسن في المناخ الدولي في الحصول على الضمانات التي تقلل الشك والقلق. مصر في حاجة إلى تحقيق نسب نمو اقتصادي عالية. الفقر والمعاناة والإقصاء هم  روشتة للتلاعب بعقول البسطاء وغسيل الأمخاخ. مناخ الحرية والتقدم الاقتصادي و التعليم هو أفضل طريقة لضمان الحريات وحقوق الانسان. الإبادة الجماعية مستحيلة، استمرار النزاع يَصْب في صالح من ننازع. المصالحة الاجتماعية والسياسية حتمية و الوقت المناسب هو اليوم قبل الغد.

أيمن سعيد عاشور

Wednesday, January 20, 2016

تقول الكلمات: نحن هنا!

مراجعة لكتاب منى الطحاوي: الحجاب و غشاء البكارة


اخر جملة في كتاب مني الطحاوي الحجاب و غشاء البكارة هي " تقول الكلمات: نحن هنا"   صدر كتاب الطحاوي بالانجليزية في اوائل العام الماضي و تمت ترجمته و نشره في العديد من دول العالم. هذه المراجعة للنسخة الاصلية الامريكية.

يثير اسم منى الطحاوي الكثير من الجدل في الحركات النسوية المصرية و تتعرض للهجوم من تيارات مختلفة لاسلوبها تارة و لمواقفها تارة اخرى. هذه المراجعة ليست دفاع عن او هجوم على شخصية الطحاوي و لكنها فقط كما يقول العنوان مراجعة لكتاب غاية في الاهمية، يقراه العالم حولنا و لكنه غير متاح الي الان لقراء اللغة العربية. دعنا نراجع كلمات الكتاب متجردين من الاحكام المسبقة عن الكاتبة و عن العنوان.  دعنا نبحث ماذا تعني الطحاوي بهذه الجملة و ماذا تقول هذه الكلمات؟

تحطيم التابوهات:  تستعين الطحاوي بخبرات الحركات النسوية العالمية و بالاخص من الامريكيات ذوي الاصول الافريقية و اللاتينية. تعرض العديد من رائدات الحركات النسوية ذوي الاصول الافريقية و اللاتينية للهجوم بانهن يسببن زيادة العنصرية ضد السود و المكسيكيين لنشرهن الفضائح الخاصة بهذه المجتمعات، تسرد الطحاوي نقاش هؤلاء السيدات لفكرة تأجيل تحقيق المساوة للمرأة لما بعد تحقيق المساواة العنصرية و توضح انها ما هي الا محاولة للدفاع عن الامر الواقع .. الظالم!  الصمت هو السلاح الاساسي الذي تستخدمه المجتمعات الذكورية لاخضاع النساء، الصمت هنا هو صمت المراة، سكوتها عن الظلم و المعاناة!  و لذا بدأت الطحاوي بنفسها و رغم المرارة و صعوبة تجاربها الشخصية سردت الطحاوي بالتفصيل معاناتها الشخصية من التحرش كطفلة في السعودية و في مصر و تقدم بالتفصيل قصتها مع العنف الجنسي في شارع محمد محمود و ما تعرضت له بعد اعتقالها.

الحجاب و غشاء البكارة ليس كتاب مذكرات منى الطحاوي و لكنه كتاب عن الواقع الذي تعيشه النساء في الدول العربية، تجاربها الشخصية ما هي الا جزء  من تجارب عديدة تقدمها لنا من قصص من نساء قابلتهن بنفسها او قرات ما كتبن او كتب عنهن. الكتاب يقارن بين الواقع في المجتمع و ما هو معلن. تقارن الحقيقة التي تعيشها النساء مع المواقف الرسمية للدول وما تقوله الدول علنا في المحافل الدولية و نص القوانين. تقارن الطحاوي بين ما يقوله رجال السياسة و الدين عن حماية و صون للمرأة و ما تعيشه النساء كواقع حي. هذا ليس بكتاب مقالات او آراء و لكنه بحث جاد مليئ بالمصادر يستخدم القصص الشخصية للكاتبة و عشرات اخرين لتقديم صورة لواقع المعاناة. هذا ليس بكتاب سهل على القارئ و لي فقط ان اتخيل الصعوبة و المعاناة في كتابته. تصرخ صفحات الكتاب ضد العنف و التمييز الذي تتعرض له المراة في العالم، تصرخ الصفحات ضد انعدام المساوة بل و العبودية التي تتعرض لها النساء في كل مراحل الحياة.

يناقش احد الابواب موضوع العذرية و تقدم الطحاوي دراسة مفصلة عن الختان وقص و تشويه البنات كما تسميه الطحاوي و تاريخه و انواعه في البلاد المختلفة . قرأت معلومات جديدة لم اعلمها من قبل رغم قرآتي و كتاباتي في هذا الموضوع. لم اكن اعلم عن الممارسة الواسعة لأنواع من الختان في دول الخليج العربي. ربما يساهم النشر الواسع لهذا الكتاب في القاء بعض الضوءعلى المجتمعات التي يتفشى فيها الختان بدون حوار او مناقشات و بعيدا عن عيون الصحافة و المنظمات الدولية. صدمت تماما عندما قرات عن ممارسة الختان حتي فترة ليست ببعيدة في الولايات المتحدة واوروبا و كما اشارت الطحاوي نجاح بعض المجتمعات في القضاء علي هذا النوع من التعذيب البدني و النفسي للبنات يقدم لنا نوعا من التفاؤل بالقدرة على القضاء على تلك العادة البغيضة.

ربما يكون الجزء المتعلق بقوانين الاسرة و الاحوال الشخصية في الدول العربية اهم ما في الكتاب و اقربه الي اجندات الحركات النسوية في مصر و العالم العربي. تقدم الطحاوي  دراسة مستفيضه من دولة عربية الي اخري عن الوضع القانوني للمرأة و تقود القارئ الي استنتاج ان القوانين في العالم العربي كله تعاني من ذكورية بشعة و تعامل النساء كالاطفال و احيانا كسلع او ممتلكات. نقرأ عن امرأة من دولة الامارات تجاوزت الخمسين، متعلمة و ناجحة و لكنها تحتاج موافقة رسمية من ابنها ذو التسعة عشر عاما للزواج. نقرأ عن رجال الشرطة و الانقاذ في لبنان عاجزين عن دخول بيت زوج عذب زوجته، لم يتمكنوا من دخول "حرمة" البيت لانها مسألة عائلية خاصة بالزوج، ماتت الزوجة و لم ينقذها رجال الاسعاف او الشرطة … مشكلة عائلية خاصة بين الزوج و امرأته! تحدثنا الطحاوي عن غياب قوانين العنف الاسري و المعاملة القانونية للاغتصاب و تشجيع من تقع فريسة للاغتصاب بالزواج من الجاني في البلاد المختلفة مع تقديم امثلة حية و في بعض الاحيان تصريحات سياسية او نصوص من القانون. نكتشف معا ان السعودية و هي رمز للرجعية في الدول العربية نجحت في اصدار قانون لتجريم العنف الاسري قبل لبنان رمز التحرر و التقدم!

تقدم الطحاوي فكرة ذكورية المجتمع و التقاليد كفكرة مستقلة تماما عن الدين. تجنبت الطحاوي الخوض في الدين او التفاسير المتباينة و لكنها قدمت قصة السيدة خديجة كامرأة مستقلة، تعمل بالتجارة و تتعامل مع رجال كمرادف لصورة المرأة التقليدية في الاسلام. اوضحت الطحاوي وجود عملية انتقاء ذكورية فيما يكتب عن  الاسلام. امامنا قصص و تفاسير مختلفة و لكن المجتمع الذكوري يختار ما يناسبه من الاسلام للتشريع و التبني و يتشدق بالقصص و التفسيرات التي تؤيد استقلال المرأة و كيانها و انسانيتها.
تحطيم التابوهات انتقل الي مواجهة الادعاء الشائع بان النساء في الحقيقة يحكمن في المنازل، وان المرأة العربية و المسلمة هي سيدة البيت. الحقيقة كما قدمتها الطحاوي ان النساء في البيت تعملن في خدمة الرجال بدءا من مراحل الطفولة و ان فكرة المرأة القوية في البيت ما هي الا اسطورة يشجع المجتمع المرأة علي تصديقها من اجل الحفاط على الذكورية الظالمة و محاولة لتجنب الخوض في وضع المجتمع الظالم البعيد عن المساواة. كذلك لم تخجل الطهاوي في انتقاد الذكورية في الربيع العربي. رغم المشاركة الواسعة للمرأة المصرية و العربية في ٢٥ يناير و غيرها و رغم وقوف النساء كتف لكتف مع الرجال في الميادين، العديد من الرجال في الحقيقة غاية في البعد عن الايمان بمساواة المرأة لهم في الحقوق و غير مستعدين لقبول حرية و مساواة المرأة للرجل. الاغلبية تريد اسقاط النظام الظالم كأولوية و تري امورا مثل حقوق المرأة ثانوية، تأتي لاحقا.
اعجبني في الكتاب طريقة الطحاوي في تقديم آرائها بوضوح و الاستدلال بالحقائق لتأييد قناعاتها. و لكن هناك نقطة مركزية في الكتاب وهي استحالة نجاح الثورات السياسية بدون ثورة نسوية  اجتماعية لتحقيق المساواة، تري الطحاوي ان ثورة المرأة و المساواة ضرورية لنجاح الثورة السياسية. في هذه النقطة المركزية فشلت الطحاوي في تقديم ما يساند هذه الفكرة. ربما نظرة سريعة الي تاريخ الثورات في العالم ترينا موقف مغاير للطحاوي. دعنا ننظر الي توقيت حصول المرأة على حق التصويت في الولايات المتحدة او بريطانيا، قرون عديدة بعد ثورات سياسية ناجحة. رغم تاييدي لرغبة الطحاوي الا اني ارى هذا الاستنتاج مشابه للفكرة المثالية القائلة بأن الظلم لا يقيم الدول و المجتمعات … الحقيقة مختلفة و التاريخ لا يؤيد هذه المثالية االروحانية لجميلة، الانظمة الاستعمارية، تجارة العبيد و نظام العبودية، الدولة الرومانية، دولة المماليك، احتلال الصين للتيبت، اسرائيل … كلها ادلة على ان الظلم قادر على النجاح و الاستمرارية. ربما تكون هنالك نقطة اخري و هي استغلال مناخ الثورية السياسية في تشجيع النساء على مواجهة الظلم الذي يتعرضن اليه في أسرهن و المجتمع و لكن اشارة الطحاوي لها كانت عابرة و لم تطورها كفكرة متكاملة مستقلة.

شجاعة الطحاوي في الدفاع عن قضيتها، الحرية و المساواة الكاملة للمرأة استمرت في الغرب و ليس فقط في الشرق.  تنتقد الطحاوي صمت الادارة الامريكية عن انتهاكات حقوق النساء في الدول الاسلامية بحجة أنها نوع من الاحترام للتقاليد الدينية و استخدمت موقف الوزير جون كيري اثناء زيارته للسعودية و رفضه الحديث عن حق النساء في قيادة السيارات. كذلك لم تصمت الطحاوي على البعض من التيارات اليسارية في الولايات المتحدة الذين يختارون الصمت على انتهاكات بشعة بحجة تقبل ثقافة الغير. قدمت الطحاوي تحد واضح لمن يسكت على الظلم و أسمته بالعنصرية و الاستشراق الجديد. هولاء اليساريين يقيمون باختيارهم أسقفا لحقوق المرأة في المجتمعات العربية، الشرقية، الاسلامية و يعتقدون أنهم بهذا الاسلوب تقدميون و لكنهم في الحقيقة يشاركون في رجعية بشعة و يمارسون العنصرية النسبية.

الحجاب و غشاء البكارة كتاب هام بقلم كاتبة شجاعة. يتهم العديد منى الطحاوي بانها تكتب للغرب و ربما عدم نشر هذا الكتاب الى الان بالعربية هو افضل دفاع. حقق الكتاب نجاحا واسع من نيجيريا الي الهند و تشارك الطحاوي في منتديات فكرية في شتي بقاع الارض و لكن لا يوجد منبر متاح لها في مصر و العالم العربي. الكتاب يكشف الكثير من القبح في مجتمعاتنا و يسلط الضوء على ما نخشاه و يناقش قضية غاية في الاهمية من عدة جوانب بجرأة و شجاعة و لكنه ايضا يحتوي على الامل في مستقبل افضل. آلطحاوي تقدم لنا العديد من الأمثلة  من المغرب الي السعودية عن شجاعة المرأة في السعي للحرية و المساواة. السكوت عن الظلم هو الاستسلام له، الاستسلام لذكورية و ظلم المجتمعات و النساء الشجاعات اللاتي يرفضن الصمت و يتحدثن و يكتبن و يقدمن البلاغات و يرفعن القضايا و يقصصن قصصهن و يحكن حكاياتهن يتحدين بالكلمات الظلم و يقلن نحن هنا .. بكلماتنا نقول: نحن هنا!

أيمن سعيد عاشور

نشر هذا المقال اولا على موقع زائد ١٨

Thursday, December 25, 2014

تقرير مجلس الشيوخ الامريكي عن التعذيب

ما هي أهمية التقرير و ما يعني لامريكا كدولة تتدعي انها دولة قانون تقدس حقوق الانسان و تعطي لنفسها حق تقديم النصح لدول العالم؟ قرأت عدة مقالات و تعليقات في الصحف المصرية تدور حول النقاط التالية:

- امريكا تتدعي كذبا احترام حقوق الانسان و تتدخل في شؤون الدول المختلفة بحجة حقوق الانسان و مشاكلها من التعذيب الي تعدي الشرطة على السود تفقدها الحق في توجيه النقد للغير.
- امريكا اثبتت لنا ان استعمال التعذيب و العنف المفرط و عدم اتباع القانون في فترات الأزمات و مكافحة الاٍرهاب أمر طبيعي و مقبول.  

و لكن قرأتي و انطباعي كمصري أمريكي بعد قراءة التقرير كانت مختلفة عن رد الفعل أعلاه ، طبعا كان لدي شعور بالغضب و التقزز من الاستعمال الموسع و المنهجي للتعذيب و انتهاكات حقوق الانسان و لكن هذا الجزء لم يحتوي علي جديد، فضائح التعذيب و تسريبات أبو غريب و قصص جوانتنامو كانت جزء أساسي من إنهيار منهج المحافظين الجدد و إدارة الرئيس بوش. أتذكر ايضا قرأتي لكتاب عن  الامريكي السوري الذي اعتقل بعد إعصار كاترينا في مدينة نيو أورليانز و كيف تحول هذا الامريكي المسلم الشجاع الذي ظل في مدينته للحفاظ على بيته و عمله.  عبد الرحمن زيتون كان يقدم المساعدة لكل من قابل بعد الإعصار حتى الكلاب التي هرب أصحابها و تركوهم كان يحضر لهم الطعام يوميا، تحول ذلك الانسان النبيل الي ارهابي مشتبه فيه، قرات عن معاناته في سجن أشبه بجوانتنامو داخل الاراضي الامريكية نفسها. التقرير لم يحتوي علي الجديد ليصدمني، و لكن نشر التقرير زاد من تقديري لامريكا كنظام و دولة قادرة علي مواجهة مشاكلها بشفافية، قادرة علي فتح جروح عميقة و تطهيرها، سأتحدث عن موضوع العقاب لاحقا و ايضا عن مازال يقلقني و كيفية ضمان عدم تكرار ما حدث مرة اخرى في المستقبل.

نعود بالذاكرة الي فترة ما بعد كارثة ١١ سبتمبر ٢٠٠١، جريمة ارهابية قاسية، اعتداء غاشم علي ابرياء مدنيين لا ذنب و لا حيلة لهم. ذلك الحدث المأسوي أوقع إدارة بوش تحت قبضة ما يسمى باليمين المتشدد او المحافظين الجدد تحت قيادة نائب الرئيس الامريكي ريتشارد تشيني. الأحداث تعاقبت لعلاج مشاكل الاٍرهاب طبقا لعقيدة المحافظين الجدد: الاٍرهاب النابع من التيار الاسلامي المتشدد، في نظرهم، هو نتيجة عدم وجود مجتمع استهلاكي ديمقراطي  فبدلا من تركيز كل إنسان في نفسه و طموحاته كما يحدث في امريكا يقوم أهل الشرق الأوسط او العالم الاسلامي بتفريغ طاقتهم السلبية و فشلهم في تحسين ظروفهم في التحول الي التطرّف الديني و كراهية الغير بدا باليهود و اسرائيل الى القيام بعملية ١١ سبتمبر ٢٠٠١. الغاية بررت الوسيلة لتشيني و اتباعه، غزو العراق لبناء ديمقراطية حقيقية قادرة علي تقديم مثال للشرق الأوسط الجديد، تحالف أعمق مع اسرائيل كخط دفاع اول في المواجهة مع التطرّف الاسلامي، الي اخره كما شاهدنا في فترتي رئاسة بوش. الغاية تبرر الوسيلة كانت شعار المرحلة حتي في تطبيق القانون و هنا كان دور هام لمحامي البيت الأبيض و رجال القانون من المحافظين الجدد.

بوش، تشيني و رامسفلد و وولفويتز هي الأسماء التي سمعنا عنها مرارا عن تلك الفترة و لكن المسؤلية الكبري عن التعذيب تقع في الحقيقة مع أشخاص اقل شهرة و أهمهم چون يوو، رجل قانون غاية في الذكاء، أمريكي من أصل كوري، تلقى تعليمه في اعظم جامعات الولايات المتحدة و تعلم القانون تحت إشراف مشاهير القضاة و لكن جون يوو كان يميني متشدد، استغل عبقريته القانونية في تفسير القانون الدولي و الامريكي بطريقة سمحت لامريكا بتجاهل معاهدات چينيڤ الدولية لمعاملات اسرى الحرب. روؤية چون يوو للقانون الامريكي في فترة رئاسة كلينتون ان سلطات الرئيس محدودة للغاية فيما يتعلق بقدرته على الحفاظ على سرية منصبه في الامور الداخلية و لكنه كتب مقالات مؤيدا لكلينتون في التدخل الامريكي في سرابيا بدون طلب الموافقة من الكونجرس، يؤمن  يوو بان القانون و الدستور الامريكي يعطي الرئيس سلطات واسعة للغاية في شؤون الأمن القومي. آراء چون يوو كانت السبب الأساسي في تعيينه في إدارة بوش في ما يقابل وزارة العدل و هنا قام يوو بإصدار تفسيرات قانونية سمحت بممارسات التعذيب لحماية الأمن القومي الامريكي. واجهت تفسيرات يوو القانونية المعارضة من بعض رجال القانون في الجيش الامريكي و في وزارة العدل نفسها كما عارضها ايضا كولين باول وزير الخارجية عندئذ، و لكن تم اعتماد تفسيرات يوو من محامي البيت الأبيض و من وزير العدل وعُرفت تقارير بعد التسريبات التي فضحتها برسائل التعذيب او Torture Memos. چون يوو لم يكن محامي صغير او موظف بسيط يريد فقط رضاء كبار المسؤلين بل بالعكس،  فلقد كان أستاذ للقانون في جامعة من اهم جامعات امريكا و أشهرها و عند تعينه مساعد لوزير العدل كان رجل قانون ذو سمعة و صيت و نشر له العديد من الأبحاث القانونية و المقالات في اشهر صحف امريكا.

تاريخ الشعوب كلها مليئ بالاخطاء، بعضها تواجه اخطائها بصراحة و تتعلم منها كشعوب و دول و مؤسسات، للولايات المتحدة العديد من الأخطاء من التفرقة العنصرية ضد كل من هو ليس أوروبي بروتستانتي ابيض الي اعتقال أبناء امريكا من أصول يابانية اثناء الحرب العالمية الثانية الي فضائح المخابرات الامريكية في الخمسينات و الستينات و فضائح التجسس و التعذيب التي حدثت بعد ١١ سبتمبر ٢٠٠١. نجحت الولايات المتحدة في مواجهة تاريخها العنصري نجاح لا مثيل له في تاريخ الشعوب، قوانين حازمة لمكافحة التمييز و العنصرية، قوانين تعطي الافضلية لشركات مملوكة للاقليات، منظومة التعليم و الاعلام كلها تعمل بجدية للقضاء علي التمييز، هل هذا النجاح كامل ؟ طبعا لا و نسمع عن مشاكل و احداث و موت ابرياء و لكن هذا الفشل لا يقلل من الجهد الغير مسبوق تاريخيا في مكافحة التمييز شعبيا، قانونيا، اقتصاديا و حتى لغويا. و كذلك نري ماساة اعتقال اليابانيين الامريكين بناء علي قرار الرئيس روزفلت، تقدم الرئيس رونالد ريجان باعتذار مفصل و كامل للمعتقلين و ابنائهم و احفادهم. اتذكر انني، في أعقاب سبتمبر ٢٠٠١، كنت ألقي مجموعة من الخطب عن الاسلام و طبيعة حياة المسلمين في عدة مدارس  في مدينة بوسطن مع أمريكي ياباني قضي طفولته في معتقل مانذنار في ولاية كاليفورنيا، كنت اتحدث انا عن الاسلام كدين و هوية لمئات الملايين من البشر باختلافاتهم و وجود تسامح و تطرف، روحانية جميلة و عنف بغيض، و كانت رسالتي الاساسية ان وجود إرهابيون مسلمين لا يعني ان كل المسلمون إرهابيون.  و كان رفيقي الياباني الامريكي يتحدث عن حياته و اسرته في المعتقل لمدة تقارب الثلاث سنوات و نشاطه مع اخرين للحصول علي اعتذار رسمي من الادارة الامريكية. إعتراف أمريكا بالأخطاء في حق اليابانيين و مواجهة تلك الأخطاء كان سبب أساسي في كسر شوكة ردود الفعل ضد العرب و المسلميين. هل كانت ردود الفعل مقبولة؟ بالطبع لا و لكن مقارنة سريعة بأحداث مماثلة في العالم ترينا نجاح أمريكا تخطي أخطائها و النضج كحضارة و دولة، و كيف تتعلم الشعوب من اخطائها.

و الان ماذا عن تقرير مجلس الشيوخ الامريكي و التعذيب، دعنا نتذكر أن الرئيس اوباما بعد توليه منصبه بيومين قام بإلغاء التفسيرات القانونية التي وضعها چون يوو و استعملتها إدارة بوش، دعنا ايضا نتذكر ان محامي البيت الأبيض في فترة بوش الأولي ألبرتو جونزالس الذي تولي منصب المدعي العام او وزير العدل عام ٢٠٠٥ أرغم علي الاستقالة من منصبه في ٢٠٠٧ بعد تسريبات عن التعذيب و دوره في الموافقة على آراء يوو. كلا من جونزالس و يوو واجها تحديات قضائية من بعض ضحايا التعذيب و جهات حكومية و ادارية مختلفة. في الأيام القادمة و بعد نشر تقرير مجلس الشيوخ أتوقع ان تتزايد الضغوط علي الادارة الامريكية لمعاقبة يوو و اخرين. لقد قامت امريكا بمواجهة نفسها بالتفاصيل عن ما حدث بعد احداث سبتمبر و كيف سمحت الدولة لنفسها باسم الحماية من الاٍرهاب بالانهيار القانوني و الاخلاقي الذي أدي الي السماح بالتعذيب و التجسس. كشفت امريكا الفضيحة الحقيقية و هي التلاعب بالتفسيرات القانونية لتبرير وسائل غير قانونية. تقرير مجلس الشيوخ يساعدنا في الوصول الي حقيقة هامة وهي ان الأمن القومي يعزز بإحترام القانون و ليس بالتلاعب عليه و ان دور الرئيس و الادارة هو الحفاظ على الدستور أولا و قبل كل شي، الدستور، نعم الدستور و الحفاظ عليه اهم من الأمن القومي! و لكن بدون عقاب صارم هل يقدم تقرير مجلس الشيوخ الردع الكافي؟


من قاموا بالتعذيب قاموا به تحت ستار قانوني كامل و لا يمكن مسألتهم قانونيا كما حدث بعد فضيحة التعذيب في سجن ابو غريب فالعراق و التي حوكم فيها كل من كان له دور في التعذيب من أفراد الجيش الامريكي . الجريمة الحقيقية في فضيحة التعذيب لل سي اي ايه او وكالة الاستخبارات المركزية كانت في ما فعل يوو من إصدار التبريرات القانونية و من المسؤلين السياسيين في إدارة بوش الذين طلبوا التبريرات و اعتمدوها رسميا. ولذا اجد نفسيي كمواطن أمريكي غير مكتفي بتقرير مجلس الشيوخ و اشعر بالقلق ان يوما ما يعود المحافظون الجدد الى الادارة الامريكية و يقوم چون يوو جديد بإصدار تبريرات مماثلة. أريد ان أري ضمان للشفافية في المستقبل ، اريد ان ارى قوانين صارمة تعتبر إصدار تفسيرات قانونية من هذا النوع بدون نشر واسع او مراقبة برلمانية جريمة، اريد ان ارى ضمانات قانونية تحمي من يعترض على العمل بمثل تلك التفسيرات اذا كانت ضد روح القانون و قيم حقوق الانسان. اعلم تماما ان  الولايات المتحدة كدولة عظمي تتحمل مسؤلية ضخمة، و لذا يتحتم على إدارة اوباما ان لا تتقاعس عن العمل مع الكونجرس في الوصول الى حل يضمن احترام إنسانية المعتقل او المسجون سواء كان داخل أراضي الولايات المتحدة او خارجها، أمريكي الجنسية او اجنبي، يتبع جيش نظامي او عضو في جماعة ارهابية او حتي سفاح فرديي. قيم امريكا و ما تتدعي انها تمثله لن تنتصر بممارسة أساليب چوزيف ستالين او أساليب داعش. خطورة ما حدث تكمن في صعوبة المسائلة القانونية لاي من الاطراف و لا يزال يوو يجادل في صواب ارائه البشعة و هنا جوهر ما يقلقني.


نعود الان و ننظر الي القراءة المصرية لتقرير مجلس الشيوخ، هل فعلا فقدت الولايات المتحدة الحق في انتقاد الغير؟ بالطبع لا، فها هي تبحث في فضائحها و تنشرها، ها هي لجنة تقصي الحقائق في مجلس الشيوخ تبحث و ستقصي و تعلن للعالم كله الفضيحة بتفاصيلها و تتناول طرق التعذيب المختلفة و حتى عدد المرات التي استخدمت فيها. هل اثبتت امريكا ان العنف المفرط و التحايل علي القانون امر مقبول لحماية المواطنين؟ بالعكس تماما، تقرير مجلس الشيوخ تطرق الي عدم جدوى التعذيب كوسيلة استخبارية و لكن الأهم من هذا هو ما أثبتته إدارة اوباما في قدرتها علي ملاحقة و قتل اسامة بن لأدن وحماية شعبها بدون استخدام تلك الوسائل الحقيرة. و كذلك نقراء الان عن كيف ساهم تعذيب ابو غريب في خلق ارهاب داعش الفظيع.


الشفافية و العلانية في امريكا تعطي الفرصة لمن يريد ان يبرر اي جريمة بقول ان ذلك يحدث في امريكا و لكني اختلف بشدة مع هذا الرأي، اوافق تماما ان المجتمع الامريكي يعاني من العنصرية و التمييز،  و لكن دعنا نتذكر ان الولايات المتحدة مرت بحرب أهلية مريرة قبل ان تتمكن من تحرير العبيد و دعنا ايضا نتذكر ان القانون في كاليفورنيا مثال الحرية و التقدم في امريكا لم يسمح بزواج ياباني من ابيض في أوائل القرن الماضي، العنصرية الممنهجة لازالت تعني ان الأطفال السود في اغلب الأحوال يحصلون علي قدر اقل من الرعاية الصحية و التعليم من المجتمع ككل، المشاكل موجودة و لكن هنالك باستمرار سعي دائم لاقرار قوانين تحارب العنصرية و التمييز و لكن المجتمع لازال يعاني من العنصرية، نجد ان في بعض الأحوال تطبيق القانون بحذافيره لا يصل بنا لإنهاء التمييز و هنا نرى فائدة الشفافية و العلانية و نجد تطبيق عقوبات اقتصادية من المجتمع ذاته على من يقوم بالتمييز و ضغوط لتغيير القوانين للوصول الى الهدف و هو بلا جدال هدف سامي و هو التخلص النهائي من العنصرية و التمييز. لن تصل الولايات المتحدة لهذا الهدف في حياتي و لكنها تقترب اليه كل يوم. دعنا نتذكر ان الولايات المتحدة انتخبت باراك حسين اوباما رئيساً مرتين حتى نكون منصفين في حكمنا علي تقدم المجتمع و قدرته على معالجة مشاكله.


كمصري كم أودّ ان نسمح لانفسنا ببعض من التواضع الحقيقي، و كم أودّ  ان اسمع يوما عن لجنة تقصي حقائق عن احداث تاريخية حتى نتعلم كشعب و نتعلم كدولة من اخطائنا، هل قمنا بتقصي حقائق حرب اليمن او نكسة ١٩٦٧ او الثغرة التي عقبت انتصارنا في حرب أكتوبر ١٩٧٣؟ لا لم نفعل  و اذا فعلنا لم ننشر فهل تعلمنا؟  ..  هل قمنا بتقصي الحقائق عن استخدام التعذيب و العنف الجنسي ضد المسجونين السياسين منذ عهد عبد الناصر؟ ماذا تعلمنا كأمة و كدولة من حركة التأميمات في الستينات؟  و ماذا عن اعتقال ما يزيد عن ألفين يهودي مصري بعد حرب ١٩٦٧ ؟ هل كان هذا خطا يجب ان نعتذر عنه؟ و الان تواجه مصر حرب شرسة ضد الاٍرهاب و هي حرب أشد خطورة من حرب امريكا ضد الاٍرهاب، هل هنالك ما نتعلمه من تقرير مجلس الشيوخ الامريكي؟ بلا جدال اعتقد ان امريكا قدمت للعالم كله مثال واضح للشفافية و الاعتراف بوجود فشل و مشاكل و انا لا اعرف طريقة لحل اي مشكلة لا تبدأ بالصراحة مع النفس.


ايمن سعيد عاشور

first appeared on Mada Masr 

Thursday, August 21, 2014

مصر تنتقد امريكا

ملاحظات سريعة علي انتقاد وزارة الخارجية المصرية للولايات المتحدة:

- ولاية ميزوري جمهورية لها دستورها و علمها و حاكمها و قانونها و لها برلمان خاص بها بمجلسيه نواب و شيوخ. 

- الولايات المتحدة تقوم على النظام الفيدرالي و الادارة الامريكية و أوباما لا يوجد لديهم اي سلطة على الشرطة في الولايات المختلفة 

- اللامركزية في امريكا تعني ان شرطة مدينة فيرجسون جزء من نظام حكم المدينة المنتخب و كذلك شرطة المحافظة county و الولاية state. و تخضع كل هذه الأجهزة لقانون و محاكم الولاية و قانون الولاية. 

- العنصرية متفشية و التمييز حقيقة و لكن رغم هذا ينجح المجتمع الامريكي في مواجهة مشاكله  الي حد كبير. احتمال نجاح رئيس اسود في الانتخابات في دول أوروبية او حتي دول مثل البرازيل ضعيف و يفوق احتمال فوز قبطي برئاسة مصر. 

- كل من  بوسطن في الستينات و لوس أنجلس في الثمانينات عانت من مشاكل عنصرية و لكن بالشفافية و مواجهة المشاكل بطرق جدية نجحت المدينتان في التحول الي نمازج حقيقية للتطور. انتخبت لوس أنجلس توم برادلي كأول عمدة  أمريكي اسود لمدينة كبيرة يشكل السود بها أقلية  و كذلك انتخبت بوسطن دوڤال باتريك  اول حاكم ولاية اسود رغم ان السود يشكلون أقلية محدودة للغاية. 

- كم أتمنى ان ارى  في مصر لامركزية امريكا و عملها في تطهير الشرطة من مشاكلها. انا متأكد تماماً ان شرطة فبرجسون ستخضع الي تغير كامل و ان الانتخابات القادمة ستطيح بعمدة فيرجسون و كل المسؤولين عن تعاملهم الكارثي مع المشكلة و لكني لا اعتقد ان مصر ستواجه مشاكل اكبر بمراحل مثل عربة الترحيلات بنفس الجدية و الشفافية التي سنراهها أمامنا في امريكا 


Tuesday, August 19, 2014

حكاية قصيرة عن منظمات حقوق الانسان

منذ صغري و كنت استمع الي قصص تعذيب في سجون جمال عبد الناصر، و بعد تخرجي و فترة عملي القصيرة في الكويت، زميلي المصري اختفي في العراق و قبض عليه و عاني من التعذيب أشهر .. أتذكر حضور زوجته الي المكتب يوم بعد يوم و أتذكر زيارتي له في منزله بعد عودته و كيف اثناء عناقي له تشبث بي و صرخ " الكهربا يا أيمن الكهربا" .. اسمع تلك الكلمات في أذني اليوم كما انها كانت أمس و ليست ١٩٨١. 

هاجرت الي الولايات المتحدة في نفس العام و أصبحت عضو في منظمة العفو الدولية Amnesty International ، عضو عادي أتبرع بمبلغ بسيط كل عام و تصل لي مجلتهم و خطابات مختلفة عن حالات مختلفة في دول العالم المختلفة. 

و بعد عدة سنوات تقدمت لاختبار الحصول على الجنسية الامريكية و في اثناء المقابلة سألني المسئول بنوع من التحدي و المواجهة عن عضويتي بمنظمة العفو : الا تدري ان تلك المنظمة تساعد مهاجرين غير شرعيين في جنوب غرب الولايات المتحدة؟ فوجئت بالسؤال و أجبت بصرامة ان فرع المنظمة في امريكا لا يتدخل في اي موضوع داخل امريكا نفسها و ان من مبادئ المنظمة الاساسية التدويل فكانت فروع اخري من المنظمة في دول اخري تتحدث عن احكام الإعدام في الولايات المتحدة  و خلافه و لكن اهتمام المنظمة الامريكية كان بالعديد من دول امريكا اللاتينية و اسيا مثل تشيلي، كامبوديا، تركيا الخ. استمر في الحديث عن المهاجرين الغير شرعيين و زادت حدة نبرتي في الدفاع عن موقفي. و بعض بضع دقائق انتقل الي سؤال اخر ثم عاد الي منظمة العفو الدولية و قال انها منظمة جيدة و مبروك. 

الشرطة و الجهات الرسمية في كل مكان لا ترغب برقابة منظمات المجتمع المدني عليها و الفارق الأساسي بين ما رايته في الولايات المتحدة و حياتي في دول شرق اسيا و الشرق الأوسط هو قوة القانون و حمايته للحريات. لو كانت مناقشتي الحادة أعلاه دارت في مصر او الصين كان من المؤكد ان النتيجة اختلفت و لكن كانت في امريكا و رغم كراهية ذلك المسؤول لعضويتي في منظمة بعينها الا انه تحتم عليه بقوة القانون ان يقوم بمهمة وظيفته بدون تمييز. 

نري الأحداث العنصرية في مدينة فيرجسون و يتسارع الجميع باستخدامها كتبرير لما يحدث في مصر و لكن ما نراه في فيرجسون حالة نادرة و لذا تركيز الأعلام عليها. امريكا مليئة بشرطة عنصرية و لكن قوة القانون تردع تلك العنصرية، منظمات المجتمع المدني تلعب دور محوري في الوقوف مع الضعيف حتي يتمكن من الحصول علي حقه بالقانون. أتذكر كيف ساندت شاب أردني اسمه جهاد رفضت شركة الطيران في امريكا السماح له بالسفر بعد شهر او شهرين من احداث سبتمبر و كيف حصل بعد ذلك علي اعتذار و تعويض بقوة القانون بمساعدة منظمات مجتمع  مدني أمريكية، منظمات افخر بعضويتها و نشاطي السابق بها

أيمن عاشور 

Tuesday, May 20, 2014

ما بعد الثورة

الأغلبية العظمي من الناس ترغب في الأمان و الاستقرار، ربما كانوا مخدوعين، بس حقهم و لا انا و لا انت أوصياء عليهم! 

منذ اواخر ايام مبارك و الدولة في انهيار و احترام السلطة بفسادها غير موجود و لكن  الآن الصورة تغيرت برغبة الأغلبية من الشعب او حتي على الأقل برغبة أقلية كبيرة و ومؤثرة،  و هذه حقيقة واضحة أمامنا.

احتكار الدولة للعنف كأداة امر طبيعي في كل دول العالم،  و لكن هذا الاحتكار سقط اخر ايام مبارك و ايام المجلس العسكري و معارك محمد محمود و مجلس الوزراء و أوضح  مرسي برغبته في اعادة احتكار الدولة للعنف، و لكن لم يتمكن لعدة أسباب. اليوم و بالتحديد منذ التفويض و فض رابعة و الدولة مصممة على انتزاع حقها في احتكار العنف. و كان حظر التجول  يمثل مرحلة انتقال في قدرة الدولة على فرض سلطتها.

قانون التظاهر غير دستوري و لكنه و لايزال قانون و الدولة مصممة علي تطبيقه الي ان يتم تغييره او إسقاطه من قبل المحكمة الدستورية. 
الثورة و الموجة الثورية انتهت تماما، حقيقةً  تحققت بعض المكاسب و لكن، كثورة تسعي الي قيام نظام جديد، فشلت، و كان لهذا الفشل العديد من الأسباب، أهمها ميوعة أهداف الثورة،  و هذا ما سمح لأكبر رجعية على الساحة باعتلائها وتصدرها، جماعة السمع و الطاعة و من كانو يغنون : يا بديع يا بديع انت تأمر و احنا نطيع! 

 توافقنا كان في المعارضة فقط و ليس في الإيجابية، فشلنا في الالتفاف حول البرادعي لانه لم يكن يساريا بدرجة كافية و لم يكره اسرائيل و يرفض معاهدة السلام. 

كنا كمن يريدوا أن يذهب البواب ليحضر لهم طعام و لكن لم يتفقوا علي ما يريدون. و لا زلنا غير قادرين على الإتفاق.  ثورتنا سعدت بالمجلس العسكري و عصام شرف و محمد مرسي عند توليهم المسؤولية و لكن سرعان ما بدأت في رفضهم. الإيجابية و الاتفاق اصعب و النقد دائماً اسهل. 

انا ارفض التعذيب و الظلم و ارفض انتهاك حقوق الانسان و الإعدامات الجماعية و سجن النشطاء و لكننا فشلنا في بناء دولة جديدة فليس أمامنا الا الاعتماد على دولتنا بكل عيوبها في اعادة الأمن و الاستقرار الذي تطلبه الغالبية العظمي. 

مصر الان في مرحلة الإصلاح و الدعوة الى الإصلاح بالطرق القانونية المسموح بها فقط و التطاول علي هيبة الدولة يؤثر سلبيا علي الحرية المتاحة للجميع لان أنصار دولة مبارك يطمعون في الإطاحة بمكاسبنا المحدودة، فهم متربصون دائماً لاخطأنا.

هذه هي الحقيقة التي أراها أمامنا و رومانتيكية الثورة و النوستالجيا الي ايام التوافق الجميل و الأمل و العزة بمصريتنا هي الان ذكريات. هل نتقبل ان ثمن التغيير اعلي من ما السواد الأعظم من الشعب  على استعداد لتقديمه؟ هل نتقبل ان الغالبية العظمي تلوم الثوار على وصول الاخوان الى الحكم؟ ستقول لي الاعلام الشمولي و أبانا في المخابرات و ان كلها خطة، و نحن ضحية مؤامرات الخ  .. ممكن و لكن نحن اخطأنا و فشلت الثورة و الان المساهمة في الإصلاح او الهجرة او الصمت او الانتحار الجماعي، اختار!

أيمن عاشور 
21  مايو 2014